الغرب يبحث عن “خليفة” لنافالني

أثارت وفاة المعارض الروسي للكرملين أليكسي نافالني يوم الجمعة الفائت في السجن، موجة تنديد واسعة وهلعا حول العالم، حيث حمّل عدد من المسؤولين الأمميين، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المسؤولية من دون حتى أن ينتظروا نتائج التقارير التي ستصدر عن اللجان الطبية الروسية. كما لم يطالبوا بالمشاركة في الكشف على الجثة أو المشاركة في تشريحها لمعرفة سبب الوفاة الذي يمكن أن تكون من قبيل الصدفة.

وتُعد أمراض القلب والأوعية الدموية، واحدة من أكثر أسباب الوفاة شيوعا بين الرجال في روسيا الاتحادية. وتقول إدارة السجن إنّ نافالني الذي توفي داخل السجن حيث كان يقضي عقوبة لمدة 19 عاما بتهمة “التطرف”، لم يكن يعاني من أيّ مشاكل صحية داخل السجن، لكنّ الدول الغربية أصرت على إصدار الأحكام المسبقة.. مما يقدّم مثالا جديدا على “ازدواجية المعايير” الغربية.

وبُعيد انتشار الخبر، دعت وزارة الخارجية الروسية المعترضين إلى “ضبط النفس”، وإلى انتظار النتائج الرسمية لفحص الطب الشرعي. كما رأت الناطقة باسم الوزارة ماريا زاخاروفا، أنّ ردّ الفعل “الفوري” لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) على وفاة نافالني “يفضح نفسه”، لأنّ ردود الفعل في نظرها كانت “مُعدة مسبقا”، إذ بعد 15 دقيقة من رسالة دائرة السجون الفيدرالية “بدأ حرفيا تدفق عاصف من الاتهامات”.

استحضار نافالني في ميونخ

وأكثر ما أثار دهشة السلطات الروسية، وجود يوليا زوجة نافالني في المؤتمر الأمني في ميونيخ الذي كان يُعقد بمناسبة الذكرى الـ60 لتأسيسه، حيث نظرت وسائل إعلام غربية بعين الرضى والارتياح لعدم دعوة روسيا إلى المؤتمر رسميا، ولكن من محاسن الصدف أنها وجّهت دعوة إلى زوجة نافالني، بصفة “زوجة مريض سابق في برلين” من أجل التحدث في المؤتمر.

فلماذا فعلت ذلك؟ وكيف انتهى بها الأمر هناك في اليوم نفسه؟ لا أحد يعلم.

وفي حينه، قالت وسائل الإعلام التي كانت تنقل الأحداث من مؤتمر ميونخ، إنّ يوليا (زوجة نافالني) لن تكون من بين المتحدثين، وسيُستعاض عنها بشخصية روسية معارضة للرئيس بوتين، هي إيكاترينا شولمان التي ستتكلم بدلا منها، ولكن فجأة ظهرت يوليا في المؤتمر، وقالت: “أريدهم أن يعرفوا أنهم سيعاقبون على ما فعلوه ببلدنا، وبعائلتي، وبزوجي”، وأضافت أنها لا تملك تأكيدا حول موت زوجها.

من المستفيد؟

ومن الصعب تصديق مثل هذه المصادفات، خصوصا أنّ أيّ شخص عاقل وغير متحيّز، يستنتج أنّ آخر ما تحتاجه السلطات الروسية في هذا التوقيت الدقيق، وقبل شهر من الانتخابات الرئاسية، هو وفاة معارض مثل نافالني.

وتصنّف السلطات الروسية نافالني عميلا لصالح الغرب، وقد انتشرت بعد وفاته مقاطع فيديو له يجالس شخصا في إحدى العواصم الأوروبية، قالت وسائل إعلام روسية إنّه عميل في الاستخبارات البريطانية (MI6) يطالبه نافالني بالحصول على الأموال من أجل تنظيم “ثورة ملوّنة” ضد بوتين.

ولو تسنى لنافالني فرصة الخروج من السجن، لكان ربّما قُتل على يد أحد أفراد عائلات الجنود الذين قضوا في الحرب التي يمولّها الغرب في أوكرانيا، أي من يدعمون نافالني، خصوصا بعد أن عارض ضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا، كما رفض دعم التدخل العسكري الصريح في أوكرانيا، مما أدى إلى تناقص شعبيته بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.

فرصة لزيادة الضغوط

ومن المصادفات الغريبة أيضا، أنّ وفاة نافالني جاءت مباشرة بعد المقابلة التي أجراها الرئيس بوتين مع الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون قبل أيام، وأوضح خلالها للجمهور الغربي أنّ موسكو مستعدة للحوار من أجل إنهاء الحرب في أوكرانيا، لكن وفاة نافالني عادت لتقدم صورة معاكسة.

وفي علم الجرائم الجنائية، أول ما يقوم به المحققون عادة، هو البحث عن المستفيد الحقيقي من الجريمة، وفي حالة نافالني فإنّ المستفيد الحقيقي ليس روسيا على الاطلاق، وإنّما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذان يبحثان عن نقاط ضغط إضافية ضد موسكو، خصوصا قبيل الانتخابات التي يقول الخبراء الغربيون إنّ فوز بوتين فيها قد يكون سهلا ومضمونا. ولهذا فإنّ وفاة شخصية معارضة رئيسية مثل نافالني قد تصبح حجّة إضافية للغرب من أجل رفض الاعتراف بشرعية قيادة البلاد.

البحث عن البديل

ويرى الخبير في الشؤون السياسية في موسكو، سيرغي ماركوف، أنّ وفاة نافالني “لن تؤثر بأيّ شكل على المشهد السياسي داخل روسيا، ولكنّها ستُستخدم حتما في الخارج من أجل تشويه سمعة الانتخابات الرئاسية”، وخصوصا مع تنامي شعبية بوتين إلى ما فوق 75 في المئة في الآونة الأخيرة.

ويبدو أن الغرب سيقوم بالتسويق لفكرة أنّ نافالني كان سياسيا موهوبا للغاية، وربّما يروّجون لفكرة أنه كان يشكل تهديدا حقيقيا على سلطة بوتين.

وبعدما حُكم على نافالني بالسجن 19 عاما في السجون الروسية، تحوّل نافالني إلى ورقة خاسرة، ولهذا ربّما سيتحوّل الغرب للبحث عن شخصية جديدة لقيادة المعارضة الروسية، وأخذ مكان نافالني قبل الانتخابات.

وكثيرا ما تتناول وسائل إعلام روسية هذه النظرية، وترجّح أنّ يكون وفاة نافالني فرصة أمام الغرب من أجل حصر الأصوات وعدم تشتّتها في مواجهة بوتين، إذ من خلال ذلك سينضمّ مناصرو نافالني إلى الزعامة الجديدة المنتظرة التي سيحدّدها الغرب مستقبلا.

من هو نافالني وكيف بدأ مسيرته؟

نافالني هو محامٍ وناشط سياسي روسي، اكتسب منذ عام 2009 شهرة في وسائل الإعلام الروسية كناقد للفساد، واستغل مدونته على موقع “لايف جورنال” و”يوتيوب” من أجل الظهور. كما عكف في السابق على كتابة مقالات بانتظام في العديد من المنصات الروسية، مثل “فوربس روسيا”.

وفي مقابلة عام 2011 مع رويترز، ادعى نافالني أنّ نظام بوتين السياسي يضعف بسبب الفساد لدرجة أن روسيا قد تواجه تمردا على غرار الربيع العربي في السنوات الخمس المقبلة.

درس نافالني في جامعة ييل عام 2010، إلى جانب زملاء له شاركوا بالفعل في “الثورات الملونة”. وغالبا ما يتطرق الناشطون الروس الموالون والمعارضون لنافالني إلى تلك القصص والحقائق على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنّها تنتهي غالبا بعبارة: “هذه اختراعات الكرملين وحملاته الدعائية”.

اتهامات وشواهد

لكنّ التدقيق في كتابات نافالني المنشورة على الإنترنت يكتشف أنّ بعض تلك الاتهامات حقيقية بالفعل. إذ يوجد منشور بقلمه، يعود تاريخه للعام 2010، يعلن فيه أنّه يدرس في جامعة ييل ويعترف بما يريد أن يفعله هنا، ويقول: “أيها الفتيات والفتيان، لقد كنت محظوظا بما فيه الكفاية للالتحاق ببرنامج Yale World Fellows، ولذلك سأقضي النصف الثاني من عام 2010 في مدينة نيو هيفن، كونيتيكت فولوست، مقاطعة نيو إنغلاند، وسأقوم بتحسين مهاراتي في مجال الضرب بالعصا. أريد أن أقوم بجدية بتوسيع أدوات عملنا وأن أتعلم كيفية استخدام جميع أنواع القوانين المتعلقة بالفساد الأجنبي، وتشريعات مكافحة غسيل الأموال في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقواعد الصرف، وما إلى ذلك ضد المديرين الفعالين”.

وبعد أن عمل لسنوات عديدة في شركات روسية، فجأة ذهب إلى الولايات المتحدة وأعلن العودة إلى الدراسة من جديد والانتقال إلى العمل السياسي، حيث شارك في انتخابات رئاسة بلدية موسكو التي حلّ بها ثانيا، ثم أعلن عن عزمه الترشح إلى الانتخابات الرئاسية.

نبيل الجبيلي

المركز اللبناني للإعلام

المركز اللبناني للإعلام هو موقع إخباري متميز يقدم تغطية شاملة للأخبار العربية والدولية، إلى جانب مقالات تحليلية لكتّاب رأي من العالم العربي . يلتزم المركز بتقديم معلومات شفافة وأخبار دقيقة، مع التركيز على المصداقية في نقل الأحداث. يمثل المركز منصة حرة وجريئة تسعى لإيصال صوت الحقيقة وتحليل أبعاد القضايا الراهنة . المركز اللبناني للإعلام هو شريك إعلامي مستقل لـ مرصد الشرق الأوسط ، ويتبنّى معاييره التحريرية .

Related Posts

بوتين: 100 ألف عسكري يشاركون في المناورات الروسية – البيلاروسية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالزي العسكري (أ.ف.ب) تشارك قوات عسكرية من دول عدة أبرزها الهند وإيران، في المناورات المشتركة بين روسيا وبيلاروسيا، وفق ما نقلت وسائل إعلام رسمية في موسكو…

بريطانيا وفرنسا وألمانيا تندد بالهجوم على قطر وتدعو إلى وقف العمليات في غزة

الدخان يتصاعد بعد الغارة الإسرائيلية على الدوحة (أ.ب) ندّد وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا بالضربة الجوية التي شنتها إسرائيل على الدوحة في التاسع من سبتمبر (أيلول)، قائلين إن القصف الذي…

خلف الحبتور يكشف عن خطة “لتقطيع” فندق “متروبوليتان بيروت” ونقله بحراً إلى خارج لبنان

في خطوة قد تعكس انتقالًا نوعيًا في تعامل رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور مع أصوله العقارية في لبنان، كشف اليوم السبت عن خطة متكاملة لنقل مبنى فندق “ميتروبوليتان بيروت” إلى…

النجمة والأنصار يعيدان الحياة إلى مدينة كميل شمعون الرياضية

افتتاح رسمي بحضور نواف سلام وعودة منتظرة للرياضة اللبنانية في حدث رياضي يحمل أبعادًا وطنية ورمزية، تحتضن مدينة كميل شمعون الرياضية يوم الجمعة مباراة ديربي كرة القدم اللبنانية بين النجمة…

نتنياهو يكرر الدعوة إلى احتلال قطاع غزة بكامله

قوة مدرعة إسرائيلية على حدود قطاع غزة (أ.ف.ب) في اجتماع أمني محدود لمناقشة الخطط العسكرية الخاصة بغزة، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى احتلال القطاع بكامله، وفقاً لما ذكره…

الإمارات تعاني نقصا بالسيولة.. هددت باستخدام “اليوان” في حال تعمقت الأزمة

الإمارات من أكثر الدول التي تعرضت لهجمات إيرانية- جيتي طالبت الإمارات الولايات المتحدة بالحصول على ضمانة مالية احتياطية في حال دفعت الحرب مع إيران الإمارات إلى أزمة أعمق، بحسب ما قاله مسؤولون أمريكيون لصحيفة…

ما الذي يمكن أن ترد به روسيا على أذربيجان؟ لنبدأ بالطماطم.

أندريه كوشنيرنكو: في حالة نشوب حرب تجارية، قد تشكك أذربيجان في وضع بلادها كمركز تجاري جورجي سميرنوف شهد الأسبوع الماضي تصعيدًا سياسيًا في العلاقات الروسية الأذربيجانية. ففي 27 يونيو/حزيران، اعتُقل…

رأس زيلينسكي ثمن الصفقة الروسية – الأميركية

“قصر الدرعية” السعودي… سوف يتذكر العالم هذا الاسم جيداً، لكونه “المحطة الأولى” في رحلة وقف الحرب في أوكرانيا، التي بدأت ملامحها بالظهور من أرض الحرمين الشريفين. تلك الملامح تشي بأنّ…

تقرير: بشار الأسد يعود لطب العيون… وحياة مترفة ومعزولة لعائلته في موسكو

الأسد وزوجته وأبناؤهما حافظ وكريم وزين في حلب عام 2022 (أ.ف.ب) الشرق الأوسط بعد مرور عام على سقوط نظامه في سوريا، يعيش الرئيس السوري السابق بشار الأسد وأسرته حياةً هادئةً…

“وجهتكم الأفضل!”.. الخط العربي ودلة القهوة و”الترويكا” ترحيبا بزوار موسكو

ملصق حملة “وجهتكم الأفضل” الخاصة بالسياح العرب على محطة للحافلات / RT أطلقت هيئة النقل في مدينة موسكو وقناة RT Arabic حملة إعلامية جديدة تستهدف السياح من دول الشرق الأوسط…

 فرنسا تعيد النظر في سياستها الأفريقية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرونصورة: رويترز/مونيكا موانجي ليس لدى باريس أي نية للتنازل عن القارة لمنافسيها الجيوسياسيين تسعى فرنسا إلى ردّ الصاع صاعين في أفريقيا. فقد عُقدت قمة “أفريقيا إلى الأمام”،…

سياسات الاستبدال والتحديث للصين تحفز الطلب المحلي وتسرع التحول الأخضر

لعبت برامج تحديث المعدات واسعة النطاق واستبدال السلع الاستهلاكية للصين دورا حاسما في تعزيز الاستهلاك المحلي وتحسين كفاءة الاستثمار وتسريع التحول الأخضر للبلاد، وفقا لأحدث البيانات. أطلقت هذه السياسات في…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *