نبيل الجبيلي
بكلمات مؤثرة، نعى “حزب الله” اللبناني أمينه العام السيد حسن نصر الله، الذي اغتالته إسرائيل بضربة جوية استهدفت مقر الحزب في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت يوم الجمعة، مخترقة تحصينات ظنّ حزب الله أنّ إسرائيل لن تصل إليها يوماً، في حين لم تحرّك طهران حتى اللحظة أي ساكن مكتفية ببيانات الدعم الخجولة، وسط تُهم توجّه لها من لبنانيين حول تركها “حزب الله” يغرق وحيداً.
بيان النعي أشار إلى أنّ القيادة تعاهد الشهيد الأسمى والأقدس والأغلى في مسيرة حزب الله المليئة بالتضحيات والشهداء أن تواصل جهادها في مواجهة العدو “إسناداً لغزة وفلسطين ودفاعاً عن لبنان وشعبه الصامد والشريف”.
رحل نصرالله بعد 31 عاماً من توليه المنصب الأرفع في هذا التنظيم الذي طرد إسرائيل من الأراضي اللبنانية وها هو نفسه اليوم يعيدهم إليها بسبب معركة إسناد قطاع غزة، تاركاً علامات استفهام كثيرة حول مصير حزبه، نتيجة التململ الإيراني وتضارب المواقف بين “حرسها القديم” وفريق الرئيس المنتخب حديثاً مسعود بزكشيان.
فارق “السيد” الحياة تاركاً خلفه غضباً شعبياً وخوفاً، وكذلك تململاً في أوساط محبيه ومناصريه، وانتقادات شيعية جمّة موجهة لـ”التراخي الإيراني” في التعامل مع عمليات الاغتيال والاعتداءات الاسرائيلية المتكررة في أكثر من مكان… وكان آخرها اغتيال الرئيس الأسبق لحركة “حماس” اسماعيل هنية في وسط طهران، ثم نصرالله في وسط بيروت.
تجرأت إسرائيل وفعلتها بعد تمويه مارسته الولايات المتحدة الأميريكية حول مفاوضات مفترضة وهدنة مأمولة لأيام. من أجل توقّف القتال، متبعة الحيلة نفسها قبيل إغتيال هنية.
السبب الأهم الذي دفع إسرائيل إلى التطاول في ما يبدو، هو تأخرها في الرد على مقتل قادة كثر. سكتت طهران عن أعمال عدائية وصلت إلى حدّ الإرهاب والقتل الجماعي: اغتيال علماء ذريين في طهران، و”تهكير” مفاعلات نفووية، وتفخيخ أجهزة لاسلكية وتفجيرها بأصحابها… واللائحة تطول.
كل هذا حصل وسط نوم عميق وصمت مريب أطبق على المجتمع الدولي، ترافق مع “شبه انقسام” ظهر على الساحة الإيرانية مؤخراً، أوحى لمن يفهم بأنّ الداخل الإيران ليس عل ما يرام، وثمة خلافات حول كيفية التعامل مع الاحداث المتتالية.
يومها، صرح الرئيس الإيراني من نيويورك أنّ إيران “مستعدة لإلقاء السلاح إذا فعلت إسرائيل الشيء نفسه”، وهذا ما أثار ردود أفعال عنيفة من المتشددين، معتبرين أنّ رئيسهم “ضعيف” أمام بلاد “العمّ سام”، التي كانت في الماضي القريب ألدّ عدوّ لطهران وشيطانها الأكبر .
بحسب خبراء روس مطلعون على الملف الإيراني، فإنّ “الصبر الاستراتيجي” الذي يتحدث عن القادة الإيرانيين منذ سنوات، وعدم الردّ على الاستفزازات المتكررة بحجة عدم الانجرار إلى حرب شاملة ضد إسرائيل أو ربما الولايات المتحدة، جعل الأخيرتين أكثر وقاحة وجرأة على الاعتداء، مع شعور زائد بالقدرة على الإفلات من العقاب .
الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين يرى أنّ اغتيال نصرالله هو بداية نهاية العالم، لأنّ بهذا اليوم قد “أزيلت بالفعل جميع العقبات التي تحول دون تفجير المسجد الأقصى في القدس. وبعد ذلك سيبدأ الصهاينة في بناء الهيكل الثالث بدعم غربي لظهور إسرائيل العظمى أو العدو الحديدي الذي لا يمكن مواجهته إلاّ بقوة مماثلة عسكرياً وإصرار مماثل”.
أما وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، فرأى خلال مشاركته في الدورة 79 للجمعية العامة للأمم المتحدة أنّ عدداً من الدول تحاول استفزاز إيران من أجل إشراكها في صراع الشرق الأوسط، وافتعال حرب كبيرة، تستدركه القيادة الإيرانية التي تتصرف بمسؤولية كبيرة.
لكنّ أكثر ما كان لافتاً، هو موقف السلطات الإيرانية. ففيما اكتفى الرئيس الإيراني المنتخب حديثاً مسعود بزشكيان، بالطلب بعدم ترك لبنان وحيداً، ذكرت وزارة الخارجية الإيرانية أنّ طهران لن ترسل قوات لدعم “حزب الله” وهو قادر على مواجهة إسرائيل، وذلك كأنّها كانت تقول: سنترك الحزب وحيداً حتى تُدمّره إسرائيل.
المتحدث باسم وزارة الخارجية ناصر كنعاني، قال: “نعتقد أنّ حزب الله لديه القدرة على الدفاع عن نفسه ضد إسرائيل، ولا داعي لإرسال قوات متطوعين إيرانية”، وأضاف “ليس لدينا أيّ طلب من أيّ جانب لإرسال قوات. لقد أثبت لبنان أنه قادر على هزيمة النظام الصهيوني وطرد قوات الاحتلال في العام 2000”.
لكلّ هذا، يعتقد كثيرون أنّ اغتيال نصرالله وقيادات عدّة في الحزب كانت ضربة موجعة لـ”حزب الله”، ربّما كان ممكناً أن تكون قاتلة لو أصابت جيشاً نظامياً. ولولا تعدّد القادة وإمكانية استبدالهم بسلاسة لكان سقوطه مدوياً، وحتى أن إسرائيل تسجّل في كل جولة نقطة تلو النقطة. أمّا فيما يخصّ تعيين أمين عام للحزب، فيبدو أنّ الشخصية الأوفر حظاً حتى اللحظة، هو السيد هاشم صفي الدين الذي يتمتع بروابط عائلية متينة مع طهران. كما يُذكر أنّ إسرائيل تعتبر صفي الدين أشدّ خطورة من نصرالله باعتباره من بين صقور الحزب ويتقاطع مع التنظيمات الفلسطينية. لكن كل هذا سيتوقف على إيران وعلى قدرتها على التحرك مستقبلاً… فهل تبيع الحزب أم تحافظ على ذراعها الأقوى في المنطقة. هل هي عاجزة عن إنقاذه نتيجة الخلافات الداخلية أم أنّها لا تريد نتيجة ترتيبات دولية ما زالت مخفية.
لعلّ الأيام المقبلة تحمل الاجابات.











