انتخابات بيروت “المملّة”… من ضعف المشاركة إلى هزيمة “التغيير”!

لم تكن ​الانتخابات البلدية​ والاختيارية في بيروت مجرّد “جولة” من الاستحقاق الذي بدأ قبل ثلاثة أسابيع في جبل لبنان، ومرّ على الشمال وعكار والبقاع وبعلبك الهرمل قبل أن يصل إلى خواتيمه في الجنوب الأحد المقبل، فهي شكّلت “الواجهة” منذ اليوم الأول للتحضيرات، حتى كادت أن تؤجَّل أو تُلغى تحت عنوان “فرض” المناصف، بعد تصاعد المخاوف والهواجس من إمكانية أن تقضي على قيم التنوّع والعيش المشترك التي لطالما طبعتها.

كان ل​انتخابات بيروت​ طعمٌ آخر أيضًا، من حيث المبدأ، على مستوى “الحماوة الانتخابية” التي ظنّ كثيرون أنّها ستفرض نفسها، مستذكرين تجربة انتخابات العام 2016، حين حقّقت “​بيروت مدينتي​” أرقامًا مهمّة ونوعيّة، قبل أن يعلن رئيس تيار “المستقبل” ​سعد الحريري​ اعتكافه، وقبل أن تبدأ “رياح التغيير” بالظهور، لتتوّج باحتجاجات العام 2019، التي أفضت في انتخابات العام 2022 البرلمانية، إلى ظهور ما سُمّيت بـ”​كتلة التغيير​”.

ترجمت هذه “الحماوة” بعدد المرشحين، فضلاً عن اللوائح التي اختارت خوض غمار المعركة، رغم كلّ الظروف والتعقيدات والصعوبات، والتي تصدّرتها تلك اللائحة التي وصفت نفسها بـ”الجامعة”، وقد جمعت التناقضات، من “حزب الله” وحركة “أمل” إلى حزبي “القوات” و”الكتائب”، مرورًا بـ”التيار الوطني الحر”، والنائب فؤاد مخزومي، تناقضات كانت ربما “خريطة الطريق” للفوز بكلّ المقاعد، وضمان المناصفة، في حجر واحد.

لكن، أبعد من هذه النتيجة، ثمّة الكثير من الدروس والعِبَر التي يجب أخذها من انتخابات بيروت، على تعقيداتها، فكيف تفسَّر نسبة الاقتراع المتواضعة، بل الضئيلة، ولماذا فضّل أهل العاصمة المكوث في منازلهم، على المشاركة، وأيّ رسالة وجّهوا بـ”اعتكافهم”، وإن لم يكن الأول من نوعه تاريخيًا؟ وما هي الاعتبارات التي أدّت لفوز الأحزاب الكبرى، التي لم تجمعها سوى “المصلحة”، والأهمّ، لهزيمة “التغييريين” المدوّية، إن صحّ التعبير؟!.

في المبدأ، وقبل قراءة النتائج وتحليلها وتفسيرها، لا بدّ من التوقف عند مفارقة “إحجام” أهل بيروت عن المشاركة، بعيدًا عن محاولة الكثيرين التقليل من وقع “رتابة” الانتخابات و”هزالة” نسبة الاقتراع، بالقول إنّها تبقى أعلى من تلك التي سُجّلت عام 2016، وإن أهل بيروت تاريخيًا لا يجدون أنفسهم معنيّين بالاستحقاق البلدي والاختياري، بعكس ما هو الحال مثلاً مع الانتخابات النيابية، ما يجعل المقارنة مع انتخابات 2022 مثلاً في “غير مكانها”.

يشير العارفون إلى أنّ المقارنة مع 2016 هي التي قد لا تكون في مكانها، فالظروف تغيّرت جذريًا، وقد شهدت البلاد في تسع سنوات متغيّرات دراماتيكية هائلة، بدءًا من الاحتجاجات الشعبية عام 2019 التي قيل إنّها أسّست لواقع سياسي وشعبي جديد، وصولاً إلى الانهيار الاقتصادي والمالي الذي لا يزال يلقي بتبعاته “الثقيلة” على اللبنانيين حتى اليوم، مرورًا بأحداث الأشهر الأخيرة، في أعقاب العدوان الإسرائيلي على لبنان.

بالنسبة إلى هؤلاء، كلّ هذه العوامل كان يجب أن تشكّل “حافزًا” للمشاركة في الانتخابات، من أجل إيصال مجلس بلدي ينهض فعلاً، لا قولاً، بالعاصمة، ويحقّق ما عجزت عنه المجالس البلدية السابقة، إلا أنّ أهل بيروت فضّلوا تحويل نهار الانتخابات إلى يوم أحد “عادي”، أو ربما “أقلّ من عادي”، حيث فرغت الشوارع خلافًا للعادة في يوم العطلة، من أجل إيصال رسالة “استياء” من المشهد العام، تشمل أحزاب السلطة، كما تلك المصنّفة معارضة.

ثمّة من يعزو الأمر إلى اعتكاف تيار “المستقبل”، وسحب رئيسه سعد الحريري يده من الأسابيع قبل أسابيع، رغم إعلانه في 14 شباط الماضي أنّ التيار سيكون جزءًا من كلّ الاستحقاقات الوطنية المقبلة، لكنّ العارفين يشدّدون على أنّ المسألة أبعد من ذلك، فاعتكاف الحريري من عدمه لم يكن ليغيّر من حقيقة أنّ أهل بيروت لا يجدون أنفسهم “معنيّين” بانتخابات لا تقدّم ولا تؤخّر برأيهم، ولا سيما في ظلّ معركة “الصلاحيات” بين البلدية والمحافظ.

لكن، إذا كان كلّ ذلك صحيحًا، فلماذا فاز تكتّل “أحزاب السلطة”، إن صحّ التعبير؟ كيف فاز التحالف “الهجين” بين قوى قالت إنّ “بيروت تجمعها”، فيما كلّ شيء آخر يفرّقها، مثل “حزب الله” و”القوات اللبنانية” مثلاً، وهما اللذان كانا يتبادلان الاتهامات بالفتنة وغيرها، على هامش الانتخابات أصلاً؟ وماذا عن الخسارة المدوية لـ”بيروت مدينتي”، رغم كلّ الزخم والديناميكية، فضلاً عن اللوائح الأخرى، التي تتقاطع على مبدأ المعارضة؟!.

يتحدّث العارفون عن مجموعة من الأسباب والعوامل التي دفعت إلى ذلك، على رأسها غياب الحملات الدعائية الحقيقية لمعظم اللوائح والمرشحين، في ظل الاعتماد “حصرًا” على وسائل التواصل الاجتماعي، وقبل ذلك غياب “الماكينات الانتخابية” التي انعدم وجودها، باستثناء تلك التابعة للأحزاب الكبرى، التي استطاعت الحشد والتجييش، ولو بصورة نسبية، فيما فشل غيرها عن تأمين الحدّ الأدنى المطلوب لتحفيز الناس على المشاركة.

وإذا كانت “التناقضات” التي جمعتها لائحة “بيروت بتجمعنا” بدت نقطة ضعف “فاقعة” لكثيرين، من وجهة نظر مبدئيّة وربما أخلاقيّة، فإنّها على الأرض شكّلت “نقطة قوة” للائحة، التي استقطبت جماهير الأحزاب على اختلافها، بعدما أقنع جمهور “حزب الله” مثلاً نفسه أنّه يصوّت للائحة كما هي، “لعيون السيّد”، ولو ضمّت “القوات”، وأقنع جمهور الأخيرة أنّ “التشطيب”، لا الحزب، هو “العدو”، وأنّ المناصفة أهمّ من كلّ الاعتبارات الأخرى.

في المقابل، ثمة من يشير إلى “تشتّت” الأصوات، الناجم عن تعدّد لوائح المعارضة، باعتباره أحد العوامل التي أدّت إلى الهزيمة، وهو ما يُضاف إليه مجموعة من العوامل الأخرى، بينها عدم مراعاة هذه اللوائح للتوازنات “البيروتية” إن صحّ التعبير، فضلاً عن عدم تمثيلها العائلات الكبرى بالشكل المناسب، وتغييبها الفقراء بشكل أساسي عن المشهد، من دون أن ننسى “الشعبوية” التي وقع بها البعض، ولا سيما مرشحو “بيروت مدينتي”.

وبالحديث عن “بيروت مدينتي”، قد تكون خسارتها رسالة “قاسية” موجّهة من أهل بيروت إلى نواب “التغيير”، الذين كانت بيروت الأساس في وصولهم إلى الندوة البرلمانية عام 2022، وهي التي تضمّ “حصّة الأسد” منهم، وفي ذلك تُفهَم “خيبة” من الناخبين من أداء هؤلاء النواب الذين استبشر بهم الكثيرون خيرًا، فإذا بأدائهم يأتي مناقضًا للتوقعات والآمال، فضلاً عن خلافاتهم الشخصية التي طغت على كلّ شيء.

في النتيجة، هي انتخابات “مملّة” شهدتها بيروت، من كلّ الزوايا وعلى كلّ الأبعاد. انتخابات “مملّة” على مستوى نسبة الاقتراع المتواضعة والضئيلة، وحتى على مستوى الزخم والديناميكية، بلا إشكالات تُذكَر. ولكنها انتخابات “مملّة” على مستوى النتائج، التي كرّست “قوة ونفوذ” أحزاب السلطة نفسها، وبالوعود الإصلاحية نفسها، بمعزل عن “الرسائل” التي تنطوي عليها هذه النتائج، والتي لا يمكن القفز فوقها…

Elnashra news

المركز اللبناني للإعلام

المركز اللبناني للإعلام هو موقع إخباري متميز يقدم تغطية شاملة للأخبار العربية والدولية، إلى جانب مقالات تحليلية لكتّاب رأي من العالم العربي . يلتزم المركز بتقديم معلومات شفافة وأخبار دقيقة، مع التركيز على المصداقية في نقل الأحداث. يمثل المركز منصة حرة وجريئة تسعى لإيصال صوت الحقيقة وتحليل أبعاد القضايا الراهنة . المركز اللبناني للإعلام هو شريك إعلامي مستقل لـ مرصد الشرق الأوسط ، ويتبنّى معاييره التحريرية .

Related Posts

موقع فرنسي يتحدث عن “مأزق” نزع سلاح حماس في غزة

تحت عنوان: “نزع سلاح حماس.. المأزق”، قال موقع “ميديابارت” الفرنسي، إن عملية وقف إطلاق النار في قطاع غزة ما زالت تراوح مكانها، في ظل استمرار حالة الحرب عمليًا، مشيرًا إلى…

واشنطن تلغي مواعيد زيارة قائد الجيش اللبناني

البيان الأخير للجيش اللبناني أثار غضبا في الكونغرس- جيتي ألغت الولايات المتحدة المواعيد التي كانت مقررة لقائد الجيش اللبناني في واشنطن، في خطوة اتخذتها بشكل أحادي وأبلغت بها السفارة اللبنانية مباشرة، قبل…

ميلوني تحذّر من «حرب تجارية داخل دول الغرب» بسبب الرسوم الجمركية الأميركية

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (إ.ب.أ) حذّرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الأحد، من احتمال اندلاع «حرب تجارية داخل دول الغرب» بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض رسوم جمركية…

الجيش الإيراني يعزز قواته بألف مسيرة جديدة واستعداد لرد غير مسبوق و وزير الحرب الأميركي: ننتظر أوامر ترامب لضرب إيران

مسيرات إيرانية طهران تتوعد برد حاسم مع تقارير عن خيارات عسكرية لتغيير موازين الصراع في ظل تصاعد غير مسبوق للتوتر بين إيران والولايات المتحدة، عقب تهديدات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد…

قائمة الرياضيين الأعلى أجراً في العالم للعام 2026 (إنفوغراف)

رونالدو يتصدر قائمة أغنى الرياضيين في العالم- موقع نادي النصر يتصدر النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو قائمة الرياضيين الأعلى أجراً في العالم مع بداية العام 2026، في مختلف رياضات كرة القدم، والملاكمة، والسلة،…

أبل تريد موافقة لشراء رقائق شركة صينية على قائمة سوداء

 ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز نقلا عن مصادر أن شركة أبل تمارس ضغوطا على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحصول ‌على موافقة لشراء رقائق ذاكرة من شركة تشانغشين ميموري تكنولوجيز (سي…

وسط ضغوط فضيحة إبستين… ترمب يسعى لتحويل الأنظار إلى بيل كلينتون

الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون (رويترز) يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يتعرض لضغوط هائلة بسبب فضيحة رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية، مرة أخرى تحويل الانتباه إلى…

دراسة تكشف عن مفاجأة سارة للرجال الصلع

يعد تساقط الشعر من أكثر المخاوف الشائعة بين الرجال، حيث يسبب لهم القلق بشأن مظهرهم وصورتهم العامة. وبينما يسعى الكثيرون لمكافحة الصلع بطرق مختلفة، كشفت دراسة جديدة أن هناك مفهوما…

تيفاني ترامب تستقبل مولودها من زوجها اللبناني.. وترامب من الخليج: متشوق لرؤيته

سيكون المولود الجديد الحفيد الحادي عشر للرئيس الأميركي قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يتشوق للعودة إلى واشنطن لرؤية حفيده المولود حديثا، في لحظة عائلية وصفها بأنها “سعيدة وخاصة”. وقال…

إيران تنشر فيديو أثار قلقا أمنيا.. هكذا يخطط الحرس الثوري لاغتيال ميلانيا ترامب

ميلانيا ترامب شغف الموضة وسيناريوهات السم أثار نشر وكالتي “تسنيم” و”مهر” الإيرانيتين مقطع فيديو يحمل عنوان “ميلانيا ترامب أين وكيف تكون في متناول اليد؟” موجة قلق ودبلوماسية مكثفة، بعدما تضمن…

عناوين جديدة للسعادة: موسكو تفتح أبواب متروها وموانئها للعرسان!

في خطوة رومانسية غير مسبوقة، قررت موسكو تحويل محطات المترو والموانئ النهرية إلى “عناوين جديدة للسعادة”، حيث يمكن للعرسان عقد قرانهم في أجواء ساحرة تخطف الأنفاس!  الزواج في مترو موسكو:…

قرار لبناني – فلسطيني بإقفال ملف السلاح بالكامل داخل المخيمات وخارجها

عباس وسلام: لجنة تنفيذية مشتركة لمتابعة تطبيق هذه التفاهمات حَسَمت لقاءات الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مع المسؤولين اللبنانيين، مصير السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها، حيث «اتُّخذ قرار سياسي» بإقفال الملف…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *