قلم الرئيس الذي يكتب لوحده
هل تساءلت يوما عن الوقت الذي يمضيه الرؤساء في توقيع الأوراق الرسمية وغير الرسمية، أو دعوات العشاء، أو رسائل التهاني، أو عن الوقت الذي يحتاجه رئيس جامعة لتوقيع مئات شهادات التخرج؟
ورغم أن بعض التوقيعات تحمل رمزية في حالات الأوامر التنفيذية الهامة، أو الاتفاقات الدولية الكبيرة، إلا أنها في كثير من الأحيان تصبح عبئا على الشخصيات المهمة لا سيما الرؤساء، فكيف إذا كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي آخر مظاهر الجدل حول معاركه مع سلفه بايدن، أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأربعاء بفتح تحقيق للاشتباه بأنّ مستشارين لبايدن تستروا على الحالة العقلية المتدهورة لبايدن واستولوا على صلاحياته لتوقيع أوراق هامة.
ما اللافت في الأمر؟
يعتبر اتهام ترامب الأخطر من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة، ويشكك في جميع القرارات التي اتخذها بايدن على مدار أربع سنوات.
وكان ترامب روج قبل أيام على منصته تروث سوشيال للنظرية القائلة بأن بايدن ليس إنسانا بل روبوتا مستنسخا.
أين المشكلة؟
اتهم ترامب المقربين من بايدن بالاستيلاء على توقيعه الخاص عبر نظام إلكتروني يسمى “أوتوبن” أو القلم الآلي، الذي يقوم بوضع توقيع الرئيس على الوثائق أتوماتيكيا.
ومن شأن ذلك إن ثبتت مزاعم ترامب أن يؤثر على قانونية وصحة العديد من القرارات التي صدرت بتوقيع سلفه الديمقراطي.
ما هو القلم الآلي؟
القلم الآلي جهاز يقوم بتقليد التوقيع بعد مسحه ضوئيا وتكراره بشكل دقيق ويستخدم لتوقيع الوثائق الكثيرة التي لا يستطيع الشخص العادي توقيعها مثل مئات شهادات التخرج في الجامعات التي تحمل توقيع رئيس الجامعة، على سبيل المثال.
هل يستخدمه الرؤساء الأمريكيون؟
نفى البيت الأبيض لسنوات طويلة استخدام القلم الآلي لوضع توقيع الرؤساء على الأوراق المهمة والقرارات التنفيذية، لكن هذا لا يعني بالضرورة عدم وجود جهاز مماثل في البيت الأبيض.
وتشير مؤسسة “شابيل للمخطوطات” إلى أن الرئيس الثالث وأحد مؤسسي البلاد، توماس جيفرسون اشترى أحد الأجهزة بعد فترة وجيزة من تسجيل براءة اختراعه عام 1803.
واستخدم الرئيس ليندون جونسون القلم الألي وسمح بتصويره لصالح صحيفة “ذي ناشونال إنكواير” إلى جانب مقال عام 1968 بعنوان “الروبوت الذي يحل محل الرئيس”.
وزعم الكاتب تشارلز هاميلتون الذي ألف كتابا حول القلم الآلي أن اعتماد الرئيس جون إف. كينيدي على التوقيع الآلي جعل توقيعه الأصلي أندر التوقيعات الرئاسية، لكنه مزاعمه لم تثبت.
وخلال إدارة الرئيس جيرالد فورد، كان الرئيس والسيدة الأولى بيتي فورد يوقعان وثائق ومراسلات أخرى يدويًا، لكن موظفي البيت الأبيض كانوا يستخدمون القلم الآلي في كثير من الأحيان لإعادة إنتاج توقيعاتهم على الرسائل والصور.
وفي عام 2005، سأل الرئيس جورج دبليو بوش وزارة العدل عما إذا كان أمرا دستوريا استخدام القلم الآلي لتوقيع مشروع قانون، وخلصت الوزارة إلى أن “الرئيس ليس بحاجة إلى القيام شخصيا في وضع توقيعه على مشروع قانون يوافق عليه”، لكنه فضل رغم ذلك التوقيع على القرارات بنفسه.
في مايو/أيار 2011، وأثناء مشاركته في قمة مجموعة الثماني في فرنسا، أصبح باراك أوباما أول رئيس أمريكي يستخدم جهاز القلم الآلي عن بعد لتوقيع قانون “باتريوت آكت” الذي كان على وشك الانتهاء.
وفي نوفمبر من العام نفسه، وقع من إندونيسيا مشروع قانون للمخصصات باستخدام الجهاز ذاته. ثم عاد لاستخدامه مجددًا في عام 2013 من هاواي لتوقيع قانون “الهاوية المالية” قبل انقضاء المهلة المحددة.
هل استخدمه ترامب؟
نعم، استخدم ترامب القلم الآلي بنفسه، لكنه قال إنه يستخدمه لتوقيع الأوراق غير المهمة للغاية، مبررا ذلك بأنه يتلقى آلافا من الرسائل، مثل رسائل دعم الشباب، وأصحاب الأمراض، في إشارة إلى أنه يرد على آلاف الرسائل بتوقيع إلكتروني، لكن ليس الأوامر التنفيذية وأوامر العفو الرئاسية.
ماذا قالوا؟
◼ قالت الرئاسة الأمريكية إنّ ترامب كلّف محامي البيت الأبيض بالتحقيق بشأن ما إذا كان بعض الأفراد مارسوا صلاحيات الرئيس ومسؤولياته خلافا للدستور.
◼ قال ترامب إنه يتّضح بشكل متزايد أنّ مستشارين سابقين للرئيس بايدن استولوا على سلطة التوقيع الرئاسية من خلال استخدام نظام توقيع آلي، إنها مؤامرة وفضيحة خطيرة ومقلقة.
◼ قال بايدن: “أنا من اتّخذ القرارات خلال رئاستي. أنا من اتّخذ القرارات المتعلقة بالعفو والأوامر التنفيذية والتشريعات والإعلانات. أيُّ تلميح إلى أنّني لم أفعل ذلك هو أمر سخيف وكاذب”.
◼ قالت شركة “أوتوبن” أشهر مصنعي آلات القلم الآلي إن أجهزتها مستخدمة بشكل واسع في الجامعات والوكالات الحكومية والمؤسسات الأخرى منذ أكثر من 60 عاما.
ماذا ننتظر؟
يبدو أن قضية ترامب ستنتهي قبل أن تبدأ وتهدف للإلهاء والهجوم على بايدن ليس أكثر وذلك لكون الدستور الأمريكي يقول إن العفو الرئاسي يصبح نافذا بمجرد أن يقبله الرئيس، ولا يوجد ما يشير إلى أنه يمكن التراجع عن أو إلغائه بعد صدوره.
ويقول أستاذ القانون الدستوري الأمريكي في جامعة بوسطن، جاي ويكسر، إن الدستور لا يشترط في الأصل أن يكون العفو مكتوبا، كما أنه لا يوجد أي اشتراط قانوني بأن يكون العفو موقعا من الأساس.
ويخول القانون الأمريكي الرئيس الأمريكي بالطلب من أي من موظفيه بوضع توقيعه على وثيقة معينة، أو في حالات أخرى “جهاز القلم الآلي”.
بايدن أم روبوت؟
شارك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على منصته الخاصة للتواصل الاجتماعي، منشورا يروج لأحد نظريات المؤامرة الشائعة والتي تصل إلى حد الخيال العلمي.
ماذا نشر الرئيس؟
شارك ترامب منشورا لأحد الحسابات على منصته الخاصة، يقول فيه إن الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن، مات منذ سنين، وتم استبداله بنسخة روبوتية بلا روح.
ما اللافت في الأمر؟
إن كان ترامب يصدق ما ورد في المنشور، كونه لم يعلق ساخرا أو نافيا، فهذا يعني أن ترامب ومؤيديه يؤمنون أن الذي حكم البلاد في السنوات الأربع الماضية لم يكن جو بايدن، علاوة على أنه ربما ليس إنسانا.
المرة الأولى؟
لجأ ترامب في كثير من الأحيان إلى مشاركة المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة غير المثبتة على مر السنين.
وأبرز المعلومات المضللة هو ادعاء فوزه في انتخابات 2020 واستمرار الحراك المناهض لفوز بايدن الذي أدى إلى اقتحام مبنى الكابيتول في 2021 لمحاولة إلغاء فوز الأخير.
وقبل ذلك، زعم ترامب أن الرئيس السابق باراك أوباما لم يولد في الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن يتراجع عن ذلك لاحقا.
وخلال حملته الانتخابية الأخيرة، زعم أن المهاجرين الهايتيين يأكلون الحيوانات الأليفة في الولايات المتحدة.
كما نشرت الدائرة المقربة من ترامب الكثير من النظريات المغلوطة، لا سيما بخصوص اللقاحات، والدولة العميقة، وحالات التوحد في البلاد وأن سببها هو لقاح الحصبة.
ووجد تحليل أجرته صحيفة نيويورك تايمز لآلاف منشورات ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي على مدى ستة أشهر في عام 2024 أن ما لا يقل عن 330 منها كانت عن مؤامرات سرية ضد ترامب والشعب الأمريكي منها محاولة اغتياله، وأخرى عن أن هناك من دبر أعمال اقتحام الكابيتول لإلصاقها به.
ولا يؤمن ترامب بالتغيرات المناخية، أو الاحتباس الحراري، وانسحب من اتفاقية باريس للمناخ.
كما يصدق ترامب ما يقال عن مؤامرة “إبادة البيض” في جنوب أفريقيا.
مؤخرا
أبدى ترامب حزنه وتعاطفه مع سلفه بايدن، بعد الإعلان عن إصابته بسرطان البروستاتا.
وقال ترامب، على منصته الخاصة، إنّه وزوجته ميلانيا يشعران بالحزن لسماع أخبار التشخيص الطبي لبايدن، ويتمنيان له الشفاء العاجل، ولعائلته كل الخير.
الصورة الأوسع
طالما سخر ترامب من بايدن، وشكك دوما في قدراته العقلية، وقال في أحد المناسبات أنه “يصافح الهواء ويتجول على غير هدى”، وذلك تعليقا على مقاطع مصورة من لقاءات وفعاليات ظهر فيها بايدن بحالة سيئة.
وسخر ترامب غير مرة من قدراته الجسدية مؤكدا في أحد المرات أنه “لا يستطيع النزول من على المنصة”، ووصفه في أحد المرات بـ”جو النعسان”.
كما سخر منه خلال أحد الأعياد، قائلا إن الأرنب في عيد الفصح أرشد بايدن إلى الطريق، بينما لا يستطيع أن يفعل أي أرنب هذا معي.
وفي تموز/ يوليو 2024، أعلن بايدن انسحابه من السباق الرئاسي لعام 2024 أمام ترامب، بعد أسابيع على الشكوك التي أحاطت بصحته الجسدية والذهنية، ودعم ترشيح نائبته كامالا هاريس.
وجاء انسحاب بايدن بعد أداء كارثي خلال مناظرة رئاسية أمام ترامب، سلطت الضوء على قدرته في قيادة البلاد لولاية ثانية.












