أوروبا تخاف شعوبها: ديمقراطية مشروطة بالأهواء؟

نبيل الجبيلي

لم تعد الديمقراطية الأوروبية شمسًا لا تُحجب، كما كان يُقال. اليوم، تحت لافتات الحرية وحقوق الإنسان، تُمارس أشكال من الإقصاء والرقابة والقمع السياسي، تارة باسم “محاربة التطرف”، وتارة باسم “حماية الاستقرار”. وما يجري في العواصم الأوروبية الكبرى يُعيد إلى الأذهان حديث بلقيس ملكة سبأ في القرآن، والتي قالت: “قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ” (النمل 34).

أوروبا اليوم، بدلاً من أن تُعطي الشعوب ما تريده، تصرّ على تعليمها ما يجب أن تريده… والشواهد على ذلك كثيرة

في فرنسا، بقيت مرشح اليمين مارين لوبن، طوال دوراتها الانتخابية هدفًا لتحالف سياسي وإعلامي واسع، سعى لتقويض فرصها بكل الوسائل، عبر شيطنة برنامجها ووصم جمهورها بالعنصرية والتطرف. صحيح لم تُلغَ الانتخابات، بل تُفرغ من مضمونها عندما يُصبح الخطاب السياسي مُراقبًا أكثر من كونه مُناقشًا.

في ألمانيا، حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) لم يُحظر رسميًا، لكنّ السلطات الألمانية وضعت بعض فروعه تحت المراقبة الأمنية. وبدأت حملات سياسية وإعلامية ممنهجة لتصويره كـ”خطر على الديمقراطية”. وبينما يصعد الحزب في استطلاعات الرأي، يتزايد الضغط لإخراجه من اللعبة عبر الأدوات الإدارية، لا من خلال صناديق الاقتراع. مما يعني أنّ معركة لم تُخض في البرلمان، بل في دهاليز الأجهزة والمؤسسات.

أمّا رومانيا، فقد واجهت في السنوات الأخيرة انتقادات متصاعدة من منظمات دولية بشأن استقلال القضاء، ووجود شبهات باستخدام المحاكمات كأدوات لتصفية الخصوم السياسيين. تقارير “فريدوم هاوس” و”هيومن رايتس ووتش” تحدثت عن تراجع مؤشرات الحرية، لكن لم تُسجّل أيّ حالة موثقة عن إلغاء انتخابات وطنية أو سجن فائز انتخابي بسبب معارضة بروكسل. ما يحدث هناك هو تآكل تدريجي لثقة الناس بالنظام، وليس انقلاباً فجّاً على الديمقراطية.

في سلوفاكيا، نجا رئيس الوزراء روبرت فيكو من محاولة اغتيال في أيار (مايو) من العام 2024، في حادث وصفته الأجهزة الأمنية بأنّه “هجوم من متطرف سياسي” يحمل دوافع شخصية وسياسية معًا. لكنَّ المشهد العام أظهر أنّ التوتر السياسي في شرق أوروبا بات قابلًا للانفجار، خصوصاً في الدول التي تحاول تبنّي مواقف متمايزة عن “التيار الغربي” في ما يخص أوكرانيا والعلاقات مع روسيا.

هنغاريا تُشكّل حالة فريدة في هذا المشهد الأوروبي المستجدّ، إذ يخوض رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان منذ سنوات معركة مفتوحة مع بروكسل حول قضايا السيادة والهوية الثقافية والهجرة. المفوضية الأوروبية استخدمت بالفعل آليات متعدّدة لتجميد مساعدات أوروبية لبودابست، من بينها ما يتعلق بسيادة القانون وحرية القضاء، وتقرير “معهد كاتو” أشار إلى تصعيد متبادل بين الطرفين تجاوز حدود الخلاف السياسي نحو “العقاب المؤسساتي”.

أمّا في إستونيا، فقد أثارت سياسات التمييز بين المواطنين والناطقين بالروسية جدلًا دوليًا منذ سنوات، إذ لا يُمنح حق التصويت في الانتخابات البرلمانية إلاّ لحاملي الجنسية الإستونية، مما يعني فعليًا أن قرابة 7 بالمئة من السكان البالغين (من أصول روسية) لا يشاركون في العملية السياسية. المفوضية الأوروبية انتقدت الأمر جزئيًا، لكن دون اتخاذ إجراءات تنفيذية حقيقية من أجل تغييره.

وفي أوكرانيا، أُرجئت الانتخابات الرئاسية بسبب استمرار حالة الحرب، وهو ما يسمح به الدستور الأوكراني في ظروف مماثلة. لكن التأجيل أثار جدلًا داخليًا واسعًا، خصوصًا أنّ الحرب طالت، والديمقراطية لم تُمارس منذ سنوات، وسط تزايد الاتهامات بتقييد الإعلام وقمع بعض المعارضين السياسيين بذريعة أمنية. لا توجد أرقام موثوقة حول هذا الأمر، لكنّ بعض الترجيحات تشير إلى أنّ أكثر من نصف الأوكرانيين يطالبون بانتخابات مبكرة، والدعوات لاستئناف المسار الانتخابي الديمقراطي ترتفع.

تعاني الديمقراطية الاوروبية من ازدواجية صارخة للمعايير

في النهاية، لا يُمكن القول إنّ أوروبا تخلت عن الديمقراطية لصالح الدكتاتورية. لكنّ الأكيد أنّ ديمقراطيتها تعاني اليوم من “ازدواجية صارخة”. فهي تسمح بالاختلاف، لكن بشرط ألاّ يلامس الخطوط المرسومة مسبقاً. فتقبل المعارضة وتتقبل وجودها، ما دامت لا تُهدد المنظومة المكرّسة منذ عقود.

أوروبا التي تطالب العالم باحترام إرادة الشعوب، باتت تخشى من أن تُترجم هذه الإرادة إلى نتائج لا تُعجبها… وهذا أمر مستجدّ في القارة التي تُعدّ “معقل” حقوق الإنسان في العالم، ولا يمكن القفز من فوقه.

الديمقراطية اليوم في القارة العجوز ليست قيد الإلغاء، لكنّها بلا شك باتت قيد التحكّم. وما لم يتم الاعتراف بهذه الأزمة، فإن أوروبا لن تحفر قبرها بيدها كما قال جون لوك، بل ستُقزّم دورها في العالم بصمت، وهي تزيّن القيود بشعارات الحرية.

إيلاف

https://elaph.com/Web/ElaphWriter/2025/06/1569612.html

المركز اللبناني للإعلام

المركز اللبناني للإعلام هو موقع إخباري متميز يقدم تغطية شاملة للأخبار العربية والدولية، إلى جانب مقالات تحليلية لكتّاب رأي من العالم العربي . يلتزم المركز بتقديم معلومات شفافة وأخبار دقيقة، مع التركيز على المصداقية في نقل الأحداث. يمثل المركز منصة حرة وجريئة تسعى لإيصال صوت الحقيقة وتحليل أبعاد القضايا الراهنة . المركز اللبناني للإعلام هو شريك إعلامي مستقل لـ مرصد الشرق الأوسط ، ويتبنّى معاييره التحريرية .

Related Posts

القبض على كاتب كيني لتأليفه كتاباً عن ابنة الرئيس

البعض يشبهها بإيفانكا ترمب أدان حقوقيون ومحامون كينيون القبض على مؤلف سيرة ذاتية غير رسمية لابنة الرئيس الكيني ويليام روتو. وقالت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن شارلين روتو…

تقارير: تركيا أحبطت شحنة مفخخة من أجهزة “البيجر” إلى لبنان

أفادت وسائل إعلام تركية، اليوم الثلاثاء، بأن المخابرات التركية أحبطت أواخر سبتمبر الماضي، محاولة إرسال أجهزة بيجر مفخخة للبنان. وذكرت مواقع تركية أنه بعد أيام قليلة من عملية تفجير أجهزة…

هل صدر حكم بإعدام “حسّون” مفتي نظام الأسد سابقا؟

أحمد حسون شغل منصب مفتي الجمهورية في عهد نظام الأسد- صفحته الرسمية تداولت صفحات إخبارية سورية، شائعات تتحدث عن صدور حكم بالإعدام ضد مفتي النظام السوري السابق، أحمد بدر الدين…

سفينة شحن تتسبب في قطع كابلات الإنترنت بالبحر الأحمر

وضع كابل اتصالات بحري في قاع بحر البلطيق بواسطة سفينة كابلات على ساحل هلسنكي بفنلندا (أرشيفية – رويترز) رجَّح خبراء أن تكون سفينة هي التي تسببت في قطع كابلات بالبحر…

قنابل بوتين الناسفة لتحالف الغرب

  عبد الحليم قنديل بدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الفترة الأخيرة، وكأنه يضع قنابل ناسفة تحت سرير تحالف الغرب الأمريكي الأوروبي، فقد كان انتصار بوتين كاسحا في قمة ألاسكا…

ضمن أدوات الغزو الناعم

الغرب والتوظيف السياسي لكرة القدم تعد كرة القدم إحدى أبرز أدوات الغزو الناعم التي يوظفها الغرب لتوطيد دعائم هيمنته. وانطلاقاً من الشعبية الجارفة لهذه اللعبة التي تعتبر الأكثر شعبية في…

لماذا لم يتسبب زلزال روسيا الهائل بأضرار أكبر؟

منظر للمحيط الهادئ على طول الساحل عند رصيف باسيفيكا البلدي في باسيفيكا، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية، – Getty Images كان هذا الزلزال من أقوى الزلازل المُسجلة على الإطلاق، ولكنه لم…

بالصور.. مصير جرافة القذافي “الأضخم في العالم”!

ارتبط الزعيم الليبي معمر القذافي بـ”جرافات” في عدة مواقف شهيرة قاد في أحدها واحدة في 29 أبريل 1988 وهدم بواسطتها نقطة حدود “رأس جدير” بين ليبيا وتونس. في مناسبة أخرى،…

ماكرون: لا أعتقد أن روسيا «يمكن أن تكون وسيطاً» بين إسرائيل وإيران

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأحد، إنه لا يعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمكن أن يؤدي دور الوسيط في النزاع بين إسرائيل وإيران. وصرّح…

من مصر 1934 إلى المغرب 2022.. رحلة العرب في كأس العالم بين الظهور المشرف ومقارعة الكبار

تتأهب الكرة العربية لتحقيق رقم قياسي في مونديال 2026 بعد تأهل 8 منتخبات عربية للنسخة المقبلة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا في أكبر حضور عربي بتاريخ كأس العالم. ويمثل الكرة…

الشرق الاوسط: ليبيا تطلب مجدداً من لبنان تسليمها هانيبال القذافي أو ترحيله إلى بلد ثالث واتجاه لبناني إلى تجاهل الطلب الليبي لعدم تعاونهم بقضية الصدر

عاد ملفّ هانيبال معمّر القذافي الموقوف في لبنان منذ 10 أعوام إلى الواجهة، مع مطالبة السلطات الليبية مجدداً تسليمها إياه بشكل سريع. وكشف مصدر قضائي بارز لـ”الشرق الأوسط” عن أن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *