هل تخلت الجزائر عن “طريق الحرير الصيني” لصالح “شراكة مع مقرب من ماكرون”؟

في ما اعتبر “تحولا مفاجئا”، أثار تساؤلات قالت صحيفة فرنسية إن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، قرر التخلي عن مشروع إنشاء ميناء الحمدانية العملاق، الذي كان من المبرمج إنجازه بشراكة صينية، والذي أدرجه البعض حتى ضمن مشروع “طريق الحرير الصيني” الاستراتيجي لبكين، لصالح تطوير الموانئ الحالية للبلاد بالشراكة مع المجموعة الفرنسية العملاق CMA CGM، للشحن والحاويات المملوكة لرجل الأعمال الفرنسي ـ اللبناني ردولف سعادة ـ المقرب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون  ومالك واحدة من أكبر المجموعات الإعلامية النافذة في فرنسا كذلك ـ والذي كان الرئيس تبون استقبله قبل أيام في قصر الرئاسة بالجزائر، رغم الأزمة المتصاعد بين الجزائر وباريس، والتي وصلت “حد تسريب” أن حكومة ماكرون تدرس تجميد أصول 20 مسؤولا جزائريا رفيعا من بين 801 مسؤولا لديهم أموال وممتلكات في فرنسا.

ووفق تقرير للصحافي باسكال أيرو في صحيفة “لوبينيون” الفرنسية، والذي سبق أن حاور الرئيس تبون في الصحيفة نفسها قبل أشهر، فقد تم دفن مشروع ميناء الحمدانية الواقع في شرشال بولاية تيبازة شال وسط البلاد، بسبب التضخم الكبير في كلفته منذ الإعلان عنه في 2015 في فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

“طريق الحرير الصيني”

لكن تقارير إعلامية كانت كشفت سابقا أن الجزائر ألغت في الحقيقة المشروع قبل أشهر، ففي مارس/آذار الماضي ذكر موقع “موانئ أوروبا” المتخصص أن الجزائر ألفت المشروع، الذي قالت إنه كان ضمن خطة “طريق الحرير الصيني”، بسبب صعوبات تمويلية.

وفيما قدر الموقع الأوروبي المشروع بـ3 مليارات دولارات، ذهبت تقديرات أخرى إلى رفع التكلفة إلى 5 مليارات. وكان من المقرر أن يتم تمويل جزء منها عبر قرض من بنك التصدير والاستيراد الصيني (Exim Bank) وتديره شركة تطوير جزائرية صينية مشتركة تُعرف بـ”SPA Hamdania” بنسبة 51% للطرف الجزائري و49% للطرف الصيني. وقد كان من المخطط أن يتم استكمال المشروع خلال فترة تتراوح بين 7 إلى 10 سنوات، مع بداية تشغيل جزئي في غضون أربع سنوات من بدء الأشغال الفعلية.

وقدم المشروع لسنوات على أنه “استراتيجي” ويمثل أحد أهم ركائز تطوير التجارة الخارجية في الجزائر، بفضل عمق مياهه الذي يفوق 20 مترًا، ما يجعله قادراً على استقبال أضخم السفن في العالم من الجيل الجديد، وهي ميزة تفتقر إليها معظم الموانئ الجزائرية الحالية التي لا يتعدى عمقها في الغالب 12 متراً.

وكان هذا المشروع الذي خططت له الجزائر منذ سنة 2015 بشراكة مع الصين، ممثلة في شركة “تشاينا ستايت كونستركشن” (CSCEC) وشركة “تشاينا هاربور” (CHEC)، يهدف إلى تقليل الاعتماد على موانئ دول الجوار وتحويل الجزائر إلى مركز لوجستي إقليمي يربط بين أفريقيا وأوروبا وآسيا عبر البحر المتوسط.

ويمتد مخطط المشروع على مساحة تقدر بنحو 3,100 هكتار، تشمل الميناء ذاته (حوالي 1,200 هكتار) ومنطقة صناعية ولوجستية مرافقة تتصل مباشرة بشبكة الطرقات والسكك الحديدية، ما يسمح بربطه بمشروع الطريق العابر للصحراء وشبكة “الشرق–غرب”.

وكان مقررا أن يحتوي الميناء على 23 رصيفاً موزعة على ثلاثة أقسام (شحن الحاويات، البضائع العامة، السلع المتخصصة) وبطاقة استيعابية تصل إلى 6.5 مليون حاوية و25.7 مليون طن من البضائع سنوياً، وكان منتظرا أن يساهم الميناء في تقليص مدة الشحن البحري إلى أقل من 20 يومًا نحو جنوب شرق آسيا، مقارنةً بـ33 يوماً عبر المسارات الحالية عبر موانئ أوروبية.

وبحسب الصحيفة الفرنسية فبدلا من هذا المشروع، الذي كان من المفترض أن يُنفذ بالشراكة مع الصين منذ سنة 2015 في منطقة شرشال غرب العاصمة، قررت السلطات الجزائرية التركيز على تطوير شبكة الموانئ الحالية ورفع قدراتها التشغيلية لتواكب تطورات التجارة البحرية العالم.

طموحات استراتيجية

وتندرج هذه الخطوة، وفقها، ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى جعل الجزائر مركزًا لوجستيًا إقليميًا بين أوروبا وأفريقيا.

وقالت “لوبنيون” إنه في هذا الإطار، جاء استقبال الرئيس المدير العام لمجموعة CMA CGM الفرنسية رودولف سعادة، التي تعتبر ثالث أكبر شركة شحن بحري للحاويات في العالم، من قبل الرئيس تبون يوم الاثنين الماضي.

ورغم عدم توقيع أي اتفاق رسمي خلال اللقاء، فإن مصادر مطلعة أكدت لصحيفة لوبينيون، أن “كل شيء نوقش”، وأن المجموعة الفرنسية تأمل في التوصل إلى اتفاق نهائي قبل شهر أيلول/سبتمبر المقبل.

ومثلما أشار مديرها في تصريحات لقناة “الجزائر الدولية” الحكومية، تمتلك مجموعة CMA CGM خبرة تمتد لأربعين سنة في السوق الجزائرية، وهي تنشط حاليًا في تسعة موانئ عبر البلاد، من بينها الجزائر العاصمة، بجاية، عنابة، سكيكدة والغزوات، وتستحوذ على الحصة الأكبر من سوق النقل البحري في الجزائر.

وأعرب رودولف سعادة في تصريحاته بعد اتسقباله من قبل الرئيس تبون عن تفاؤله بمستقبل الشراكة، وقال: “نؤمن كثيرًا بإمكانات هذا البلد، ونرغب في مواصلة تطوير أنشطتنا فيه”.

“ملايين اليوروهات”

وبحسب الصحيفة الفرنسية تعتزم شركة سعادة ضخ مئات الملايين من اليوروهات في مشاريع تشمل بناء محطات حاويات حديثة، وتحسين منظومات التسيير اللوجستي، مع إمكانية الحصول على إدارة كاملة لأحد الأرصفة الاستراتيجية الكبرى.

وبحسب تقارير تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه الموانئ الجزائرية، لاسيما في العاصمة ووهران، حالة ازدحام متزايدة نتيجة تراجع حركة العبور في قناة السويس، ما أدى إلى تحويل جزء من حركة التجارة نحو الموانئ الجزائرية والمغاربية. وتصل أوقات الانتظار أحيانًا إلى عشرة أيام لتفريغ الحاويات.

وووفقها فلمعالجة هذه الأزمة، تعمل الحكومة على تنفيذ مشاريع تعميق الأرصفة الحالية إلى 17 متراً بدلاً من 12، إلى جانب دراسة بناء أرصفة جديدة في عرض البحر لتسهيل رسو السفن العملاقة.

كما يجري التحضير لإطلاق خطوط بحرية مباشرة بين مرسيليا الجزائرية ومدينتي وهران وعنابة، على أن تتولى شركة “لا ميريديونيال”، التابعة لـCMA CGM، تسيير هذه الخطوط، بما يضمن تعزيز الربط البحري المباشر بين شمال المتوسط وساحل شمال أفريقيا، وأفريقيا جنوب الصحراء.

وفي سياق دعم التجارة الإقليمية، شرعت الجزائر أيضًا في توسيع ميناء سكيكدة المخصص للمحروقات والغاز، وتوسعة ميناء عنابة من خلال بناء رصيف جديد مخصص لتصدير الفوسفات. وتهدف هذه المشاريع إلى دعم صادرات الجزائر نحو إفريقيا عبر الطرق البرية والسكك الحديدية، إلى جانب المسارات البحرية.

ويواجه هذا المسعى في المقابل، حسب مراقبين، تحديات بالنظر للأزمة مع دول الساحل. لكن في التحولات الجيوسياسية كل شيء قابلة للتغير.

المركز اللبناني للإعلام

المركز اللبناني للإعلام هو موقع إخباري متميز يقدم تغطية شاملة للأخبار العربية والدولية، إلى جانب مقالات تحليلية لكتّاب رأي من العالم العربي . يلتزم المركز بتقديم معلومات شفافة وأخبار دقيقة، مع التركيز على المصداقية في نقل الأحداث. يمثل المركز منصة حرة وجريئة تسعى لإيصال صوت الحقيقة وتحليل أبعاد القضايا الراهنة . المركز اللبناني للإعلام هو شريك إعلامي مستقل لـ مرصد الشرق الأوسط ، ويتبنّى معاييره التحريرية .

Related Posts

التعاون الروسي-المصري يقترب من قناة السويس.. ما الفوائد وما المخاطر؟

علق خبراء من مركز التقييمات والتوقعات الاستراتيجية على إعلان رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع عن أمله في إبرام شراكة مع روسيا. وأوضح الخبراء أن شركات الشحن الروسية قد تستفيد…

باستريكين: الأجهزة الخاصة الأوكرانية تجند مراهقين روسًا للتخريب

تواصل الأجهزة الخاصة الأوكرانية محاولاتها لتجنيد المراهقين الروس لارتكاب أعمال تخريب على الأراضي الروسية. صرح بذلك رئيس لجنة التحقيق في الاتحاد الروسي ألكسندر باستريكين في مقابلة مع وكالة تاس. وبحسب…

إيران تستعد لزيارة بوتين وسط مفاوضاتها مع واشنطن

طهران: مستعدون لاتفاق جديد واستثمارات أميركية إذا رُفعت العقوبات أعلنت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني، أن طهران تتهيأ لاستقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وذلك في خضمّ المفاوضات التي تُجريها…

الصين 2025

مهام وأولويات الصين في عام 2025 في عام 2024، كانت “القوى المنتجة الحديثة النوعية” واحدة من العبارات الرئيسية الأكثر تكرارا في الحديث عن التنمية العالية الجودة بالصين. أما مؤتمر العمل…

ما هو السبب الحقيقي لضرب إيران؟

د. فيصل القاسم تتصارع اليوم وجهات النظر والتحليلات على وسائل الإعلام ومواقع التواصل حول الأسباب الحقيقية لاستهداف إيران عسكرياً. لماذا أعطت واشنطن الضوء الأخضر لإسرائيل كي تبدأ قصفها للمراكز النووية…

رئيس وزراء قطر : سندعم مؤسسات لبنان بعد تشكيل الحكومة

التقى بالمسؤولين وتعهد بمواصلة مساعدة الجيش اللبناني أعلن رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، أن الدوحة «ستدعم المؤسسات اللبنانية، وستعمل على مشاريع…

صواريخ على الحدود تهدّد سوريا..عماد الشدياق يكشف:عملية خاطفة في ايران وبنك أهداف سيسقط بضربة قاضية

عماد الشدياق

ترامب يعترف بتراجع نفوذ إسرائيل في الكونغرس: استمرار حربها على غزة سيضرّ بها

واشنطن: قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء، إن نفوذ إسرائيل في الكونغرس تراجع مقارنة بما كان عليه قبل 20 عامًا. وأضاف ترامب، في مقابلة مع موقع “ذا ديلي كولر” الأمريكي،…

ما هو مصير «حرب نورماندي» الترامبية؟

  عبدالحليم قنديل هل التاريخ يعيد نفسه؟ سؤال فكري فلسفي قديم، كان جواب كارل ماركس عليه ذات مرة، أن التاريخ لا يكرر نفسه، وإن تصور البعض أن الإعادة ممكنة، فهي…

الحياد التركي في أوكرانيا بين التسليح والوساطة

تنشط شركات تركية بشكل واسع في توريد الأسلحة إلى أوكرانيا تتحرّك العلاقة الروسية – التركية على حافة توازنٍ دقيق: اقتصادٌ متين ومتشابك، مقابل توتّراتٍ سياسية وأمنية لا تُخفى عنوانها الأسلحة…

لماذا تلقى السيارات الصينية رواجاً في الشرق الأوسط؟

رجلان يرتديان زياً خليجياً يجلسان في مقصورة سيارة صينية الصُنع وأحدهما على كرسي القيادة – Getty Images أكثر من مليون مركبة في عام واحد و”جيتور” و”شانغان” تطيحان بالعمالقة تلقى السيارات…

تنسيق روسي – صيني – إيراني يسبق محادثات مسقط

موسكو حذرت من «عواقب وخيمة» للسيناريو العسكري وتستعد لـ«تدابير وقائية» جرت في العاصمة الروسية، الثلاثاء، جولة مغلقة من المشاورات جمعت دبلوماسيين من روسيا والصين وإيران. وشكلت امتداداً لجولة مماثلة عقدت…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *