حظي النجم المصري محمد صلاح، باستقبال جماهيري حاشد بعد وصوله إلى مدينة طرابزون، مساء الأربعاء.
واحتشد الآلاف من مشجعي فريق طرابزون لاستقبال صلاح في المطار حاملين المشاعل وسط هتافات ترحيب بالنجم المصري.
وقال صلاح في كلمة ألقاها بالمطار إنه يشعر بسعادة غامرة بهذا الاستقبال، مضيفا: “أود أن أقول إنني سعيد للغاية بوجودي هنا، بصراحة، أجد صعوبة حتى في وصف مدى دهشتي وسعادتي، لأن هناك 25 ألف شخص هنا، لا أذكر أنني رأيت استقبالا كهذا من قبل”.
ومن المقرر أن يقيم نادي طرابزون سبور مراسم توقيع عقد محمد صلاح اليوم الخميس على ملعب بابارا بارك، بحضور الجماهير.

ويمثل انتقال صلاح إلى طرابزون سبور واحدة من أكبر الصفقات في تاريخ النادي، كما يعكس رغبة الفريق في استعادة مكانته بين كبار الكرة التركية، مستفيدا من الخبرات الهائلة التي اكتسبها اللاعب خلال رحلته الطويلة في الملاعب الأوروبية، بداية من سويسرا، مرورا بإنكلترا وإيطاليا، وصولا إلى سنوات المجد مع ليفربول.
ولم يكن الطريق الذي سلكه صلاح نحو النجومية مفروشا بالورود. فمن قرية نجريج بمحافظة الغربية المصرية، بدأت الحكاية مع ناشئي المقاولون العرب، حيث كان يقضي ساعات طويلة يوميا في التنقل بين المدرسة والتدريبات، في رحلة شاقة كانت تستغرق أكثر من أربع ساعات يوميا، مستخدما عدة حافلات للوصول إلى مقر النادي، قبل أن يعود إلى منزله في وقت متأخر من الليل.
لكن تلك المعاناة صنعت شخصية لاعب لم يعرف الاستسلام، وجعلت حلم الاحتراف الأوروبي هدفا لا يتراجع عنه.
وفي صيف عام 2012، انتقل صلاح إلى بازل السويسري في يوم ميلاده العشرين، في خطوة شكلت نقطة التحول الأولى في مسيرته. ولم يحتج اللاعب إلى وقت طويل لفرض نفسه، فساهم في تتويج الفريق بلقب الدوري السويسري مرتين، كما لفت الأنظار بعروضه المميزة في دوري أبطال أوروبا، خاصة أمام الأندية الإنكليزية، ليبدأ اسمه في الظهور على رادار كبار القارة.
وكان تشيلسي أول من نجح في التعاقد معه، لكن التجربة في “ستامفورد بريدج” لم تسر كما كان يأمل اللاعب أو جماهيره. فقلة المشاركات حالت دون إظهار إمكاناته الحقيقية، ليقرر البحث عن فرصة جديدة في الدوري الإيطالي، حيث بدأت نقطة التحول الحقيقية في مسيرته الاحترافية.
وفي فيورنتينا، ثم روما، استعاد صلاح أفضل مستوياته، وقدم كرة هجومية سريعة جعلته واحدا من أخطر لاعبي الدوري الإيطالي. ومع روما تحديدا، ساهم في 55 هدفا خلال 83 مباراة، ليصبح هدفا لعدد من كبار الأندية الأوروبية، قبل أن يحسم ليفربول الصفقة في صيف 2017 بطلب مباشر من المدرب الألماني يورغن كلوب.
ولم يكن كثيرون يتوقعون أن تتحول تلك الصفقة إلى واحدة من أنجح التعاقدات في تاريخ ليفربول. فمنذ موسمه الأول، سجل صلاح 44 هدفا في جميع المسابقات، وسجل صلاح 32 هدفا في الدوري الإنكليزي الممتاز خلال موسم 2017 / 2018، محطما الرقم القياسي لأكبر عدد من الأهداف في موسم من 38 مباراة، قبل أن يتجاوزه لاحقا النرويجي إرلينغ هالاند بتسجيل 36 هدفا.
كما قاد الفريق إلى نهائي دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.
ورغم مرارة خسارة النهائي أمام ريال مدريد في كييف، في المباراة التي تعرض خلالها لإصابة مؤلمة في الكتف، فإن صلاح عاد أكثر قوة في الموسم التالي، وساهم في قيادة ليفربول إلى الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا السادس في تاريخ النادي، قبل أن يحقق الإنجاز الأكبر في العام التالي، عندما أعاد لقب الدوري الإنكليزي الممتاز إلى ملعب أنفيلد لأول مرة منذ ثلاثين عاما.
ومع مرور السنوات، لم يعد صلاح مجرد هداف، بل أصبح رمزا لحقبة ذهبية عاشها ليفربول تحت قيادة يورغن كلوب. فقد ساهم في تتويج الفريق بالدوري الإنكليزي مرتين، ودوري أبطال أوروبا، وكأس العالم للأندية، وكأس السوبر الأوروبي، وكأس الاتحاد الإنكليزي، وكأس الرابطة الإنكليزية، والدرع الخيرية، بينما واصل تحطيم الأرقام القياسية الواحد تلو الآخر.
وأصبح النجم المصري ثالث أفضل هداف في تاريخ ليفربول، والهداف الإفريقي التاريخي للدوري الإنكليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا، كما عادل الرقم القياسي للفوز بالحذاء الذهبي للبريميرليغ أربع مرات، وأصبح اللاعب الوحيد الذي اختير أفضل لاعب في إنكلترا من قبل رابطة اللاعبين المحترفين ثلاث مرات، إلى جانب سلسلة طويلة من الجوائز الفردية التي كرسته واحدا من أبرز نجوم كرة القدم العالمية في العقد الأخير.
كما ترك بصمات استثنائية على مستوى صناعة اللعب، إذ جمع أكثر من مرة بين لقب الهداف وأفضل صانع ألعاب في الدوري الإنكليزي، وحطم في موسم 2024 / 2025 الرقم القياسي لأكبر عدد من المساهمات التهديفية في موسم واحد، بعدما سجل 29 هدفا وصنع 18 آخرين، قبل أن يتجاوز واين روني ويصبح صاحب أكبر عدد من المساهمات التهديفية بقميص ناد واحد في تاريخ الدوري الإنكليزي الممتاز.
ولم تتوقف إنجازاته عند حدود الأندية، بل تحول أيضا إلى أيقونة للكرة المصرية. فقد لعب الدور الأبرز في إعادة منتخب مصر إلى كأس العالم 2018 بعد غياب دام 28 عاما، ثم واصل كتابة التاريخ ليصبح الهداف التاريخي للتصفيات الإفريقية المؤهلة للمونديال، وثاني أفضل هداف في تاريخ المنتخب المصري.
كما قاد المنتخب المصري لتحقيق أول انتصار في بطولة كأس العالم عندما فاز المنتخب المصري على نظيره النيوزيلندي 3 / 1، وقاده للتأهل إلى دور الـ16 لأول مرة في تاريخه.
ويأتي انتقال صلاح إلى طرابزون سبور في توقيت مهم من مسيرته، حيث يبحث اللاعب عن تحد مختلف بعد سنوات طويلة في قمة الكرة الإنكليزية. كما يمنح النادي التركي قائدا يمتلك خبرة استثنائية في المنافسات الأوروبية، وقدرة على صناعة الفارق داخل الملعب وخارجه، سواء بأهدافه أو بشخصيته القيادية أو بعقليته الاحترافية التي أشاد بها جميع المدربين الذين عملوا معه.
ولم يكن يورغن كلوب الوحيد الذي تحدث بإعجاب عن صلاح، حيث وصفه بأنه “محترف من الطراز الرفيع وقدوة حقيقية”، فيما اعتبره كيليان مبابي أحد أفضل لاعبي العالم، بينما أكد فيرجيل فان دايك أن المحافظة على هذا المستوى لسنوات طويلة هي أكثر ما يميز النجم المصري، وأشاد أرني سلوت كذلك بقدرته على تكرار الإنجازات موسما بعد آخر.
وسينتظر عشاق طرابزون سبور أن ينقل صلاح هذه العقلية إلى الفريق، وأن يقود مشروعا جديدا يعيد النادي إلى المنافسة على الألقاب المحلية، وربما الظهور بصورة أقوى في البطولات الأوروبية، في وقت سيحظى فيه الدوري التركي بإضافة فنية وتسويقية كبيرة بوجود واحد من أشهر لاعبي العالم.
وبالنسبة لصلاح نفسه، فإن هذه الخطوة لا تمثل نهاية قصة، بل بداية أخرى. فبعد سنوات كتب خلالها اسمه بحروف من ذهب في تاريخ ليفربول، يفتح “الملك المصري” صفحة جديدة مع طرابزون سبور، واضعا نصب عينيه هدفا واضحا هو مواصلة صناعة التاريخ، وإثبات أن الشغف والطموح لا يرتبطان بعمر أو محطة، بل برغبة لا تنتهي في الفوز وترك الأثر أينما كانت الوجهة.
(د ب أ)

































