5900 فلسطيني هُجّروا منذ 2023
لم تعد هجمات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة حوادث متناثرة على أطراف القرى الفلسطينية. أرقام جديدة توثقها منظمات دولية ترسم صورة أكثر اتساعاً: تجمعات تُفرغ جزئياً أو كلياً من سكانها، أراضٍ ومراعي تُفقد، ومعدل هجمات وصل خلال 2026 إلى أعلى مستوى تسجله الأمم المتحدة.
وفي تقرير نشرته الخميس، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن تصاعد هجمات المستوطنين أدى منذ يناير (كانون الثاني) 2023 إلى التهجير الكامل أو الجزئي لـ107 تجمعات فلسطينية تضم نحو 5900 شخص، متهمة السلطات الإسرائيلية بتوفير دعم مالي ومادي وقانوني للمستوطنين المسؤولين عن أعمال العنف. وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أن عام 2026 سجل في المتوسط 6.6 هجمات للمستوطنين يومياً أسفرت عن إصابات أو أضرار في الممتلكات أو كليهما، وهو أعلى معدل في سجلاته.
عام قياسي
وتظهر بيانات «أوتشا» أن أكثر من 1360 حادثة مرتبطة بالمستوطنين سجلت منذ بداية 2026 حتى أواخر يوليو (تموز)، وطالت أكثر من 250 تجمعاً فلسطينياً. كما أصيب نحو 900 فلسطيني في سياق تلك الهجمات، فيما هُجّر أكثر من 2300 شخص خلال العام نتيجة اعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بالوصول إلى الأراضي والمراعي.
وتقول «هيومن رايتس ووتش» إن موجة العنف قفزت بصورة خاصة خلال مارس (آذار) وأبريل (نيسان)، وشملت عمليات قتل، بينها قتل أطفال، إضافة إلى الاعتداء الجسدي والعنف الجنسي والاحتجاز التعسفي والحرق المتعمد وتدمير الممتلكات وسرقتها. وترى المنظمة أن هذا التصاعد امتداد لاتجاه بدأ يتسارع منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2022.
سبع قرى
وبين أبريل ومايو (أيار)، حققت المنظمة في هجمات وقعت في سبعة تجمعات فلسطينية هي المغير ومخماس والطيبة في محافظة رام الله، وجالود وقريوت في محافظة نابلس، إضافة إلى خربة حمصة ومعرجات شرق في الأغوار.
وقالت إنها استمعت إلى 20 شاهداً وراجعت تسجيلات صورها السكان ولقطات لكاميرات مراقبة. وخلص تحقيقها إلى أن مستوطنين مسلحين نفذوا هجمات في بعض الحالات إلى جانب وحدات من الجيش الإسرائيلي، أو بينما كان جنود موجودين في المكان من دون أن يتدخلوا لوقف الاعتداءات. وأضافت أن الجيش الإسرائيلي لم يرد على أسئلتها المتعلقة بالحوادث التي حققت فيها.
الأرض والسكان
وركز التقرير على نمط يتجاوز الاعتداءات المباشرة على الأشخاص إلى ضرب مقومات البقاء نفسها، من خلال منع الوصول إلى المراعي ومصادر المياه، وسرقة المواشي أو قتلها، وإحراق الحقول والمحاصيل وتدمير الممتلكات الزراعية.
وبحسب شهادات جمعتها المنظمة، دفع ذلك بعض العائلات إلى بيع مواشيها بخسائر أو شراء الأعلاف لإبقائها داخل التجمعات بدلاً من الرعي، ما يضاعف الضغوط الاقتصادية ويدفع السكان تدريجياً نحو الرحيل.
وقالت سارة صنبر، الباحثة بالإنابة في شؤون إسرائيل وفلسطين لدى «هيومن رايتس ووتش»، إن الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين يتقاطعون، وفق تقييم المنظمة، عند هدف توسيع السيطرة على الأرض وتقليص الوجود الفلسطيني عليها، متهمة السلطات بعدم الاكتفاء بعدم وقف الاعتداءات، بل بتمكين مرتكبيها من خلال السلاح والتمويل والغطاء القانوني.
قتلى أكثر
ويظهر تصاعد العنف أيضاً في أعداد القتلى. فبحسب «أوتشا»، قُتل ما لا يقل عن 15 فلسطينياً، بينهم طفلان، على يد مستوطنين حتى 24 يوليو 2026، ما يضع العام الحالي على مسار قد يتجاوز الرقم القياسي السابق المسجل عام 2023، عندما بلغ عدد القتلى الفلسطينيين المنسوب قتلهم إلى مستوطنين 16 شخصاً.
وسجلت الأمم المتحدة كذلك ارتفاعاً حاداً في الإصابات. ففي مارس وحده أصيب نحو 170 فلسطينياً على أيدي مستوطنين، وهو أعلى رقم شهري من نوعه منذ أن بدأت «أوتشا» التوثيق المنهجي لعنف المستوطنين عام 2006.
تمويل البؤر
وتربط «هيومن رايتس ووتش» بين هذه التطورات وبين توسع البؤر الاستيطانية والدعم الحكومي الذي تتلقاه. وأشارت إلى تقارير تفيد بأن الحكومة الإسرائيلية وافقت في مارس الماضي على تخصيص نحو 50 مليون شيكل، أي قرابة 16 مليون دولار، للبؤر الاستيطانية غير المرخصة وفق القانون الإسرائيلي.
ونقلت المنظمة أيضاً عن منظمة العفو الدولية أن ميزانية وزارة الاستيطان والمهام الوطنية ارتفعت 122 في المئة في عهد الحكومة الحالية. وقالت إن هذا التمويل ترافق مع توسع سريع للبؤر، إذ أقام المستوطنون، وفق بيانات حركة «السلام الآن»، 248 بؤرة جديدة خلال ولاية الحكومة الحالية، منها 65 خلال 2026 حتى الأول من أغسطس (آب).
تهجير متدرج
والرقم الأبرز في التقرير يبقى حجم التهجير: 107 تجمعات فلسطينية و5900 شخص منذ بداية 2023. ولا يعني ذلك، وفق منهجية الأمم المتحدة، أن جميع هذه القرى أزيلت بالكامل، بل إن بعضها هُجّر كلياً وبعضها الآخر فقد جزءاً من سكانه تحت ضغط العنف والقيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأراضي.
وتحذر المنظمة من أن عشرات التجمعات الأخرى باتت مهددة بالمصير نفسه، في وقت يتوسع فيه النشاط الاستيطاني وتزداد البؤر التي تنطلق منها الاعتداءات على المجتمعات الزراعية والبدوية الفلسطينية.
حكم دولي
وفي يوليو 2024، خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، واعتبرت أن إسرائيل أخفقت بصورة منهجية في منع هجمات المستوطنين على الفلسطينيين أو معاقبة مرتكبيها.
كما رأت المحكمة أن العنف الاستيطاني، إلى جانب مصادرة الأراضي والحرمان من الموارد، يخلق بيئة قسرية تدفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم، خصوصاً في المنطقة المصنفة «ج» في الضفة الغربية.
ايلاف

































