لا تحسدوهم… فهم يحترقون!

د. فيصل القاسم

حين ننظر إلى المجتمعات المتقدمة، نرى ما يثير الإعجاب: قطارات تصل في موعدها، مستشفيات متطورة، جامعات عريقة، شركات عملاقة، ذكاء اصطناعي، مصانع مؤتمتة، مدن منظمة، وخدمات يمكن إنجازها بضغطة زر. ومن السهل أمام هذه الصورة أن نسأل: لماذا لم نصل نحن إلى هناك بعد؟

لكن هناك سؤالاً آخر أقل شيوعاً، وربما أكثر أهمية: ما قيمة أن يتقدم كل شيء حول الإنسان، إذا كان الإنسان نفسه يدفع الثمن من أعصابه ووقته وحياته؟
هذه ليست دعوة إلى ازدراء التقدم، ولا إلى تمجيد التخلف والفقر، فالفقر ليس فضيلة، والفوضى ليست حياة إنسانية أفضل. لكن التقدم الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الاقتصاد وسرعة الإنترنت وعدد براءات الاختراع، بل بالسؤال الأبسط: هل جعل كل ذلك الإنسان أكثر حرية وراحة، أم جعله أكثر كفاءة في خدمة آلة لا تتوقف؟
إحدى العلامات المثيرة للقلق هي ظاهرة الاحتراق الوظيفي، Burnout. التي باتت تجتاح الغرب.
ومن المهم هنا الدقة. منظمة الصحة العالمية لا تصنف الاحتراق الوظيفي مرضاً طبياً مستقلاً، بل «ظاهرة مهنية» ناتجة عن ضغط مزمن قاتل في مكان العمل. وتحدد له ثلاثة أبعاد أساسية: استنزاف الطاقة والإرهاق، تزايد المسافة النفسية عن العمل وما يصاحبها من سلبية أو تهكم، ثم تراجع الشعور بالكفاءة المهنية (أي أننا نتحدث عن إنسان قد يستيقظ صباحاً، يرتدي ملابسه، يذهب إلى عمله، ينجز واجباته، وربما يبتسم لزملائه، بينما يشعر في داخله أنه يفرغ ويموت ببطء.
والأرقام تكشف أن المسألة أبعد من حالات فردية متناثرة. تقرير Gallup العالمي لعام 2026 وجد أن 50 في المئة في الولايات المتحدة وكندا، مقابل 39 في المئة في أوروبا يحترقون ببطء.
كما تشير أحدث بيانات منظمة الصحة الدولية إلى أن نسبة هائلة من البالغين في سن العمل يعيشون مع اضطراب نفسي رهيب.
المفارقة هنا مذهلة. لقد اخترع الإنسان التكنولوجيا لكي توفر له الوقت، ثم انتهى به الأمر إلى عالم يعمل فيه في كل وقت.
كان المكتب قديماً مكاناً نذهب إليه ثم نغادره. أما اليوم فالمكتب يسكن جيبك. البريد الإلكتروني معك، ورسائل المدير معك، واجتماعات الفيديو تستطيع اللحاق بك إلى غرفة نومك، والهاتف الذي كان يفترض أن يمنحك الحرية أصبح بوابة يستطيع العمل من خلالها الوصول إليك في أي لحظة.

 التقدم الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الاقتصاد، بل بالسؤال الأبسط: هل جعل كل ذلك الإنسان أكثر حرية وراحة، أم جعله أكثر كفاءة في خدمة آلة لا تتوقف؟

وتشير المؤسسة الأوروبية لتحسين ظروف المعيشة والعمل، Eurofound، إلى أن كثافة العمل والتداخل بين العمل والحياة الخاصة من أكثر المخاطر النفسية والاجتماعية انتشاراً بين العاملين في الاتحاد الأوروبي. كما وجدت بياناتها أن العمل عالي الكثافة والعمل خلال الوقت الحر أصبحا شائعين بين قطاعات واسعة من الموظفين، وأن الرقمنة والعمل عن بعد، رغم فوائدهما الواضحة، قد يسهمان أيضاً في تكثيف العمل وطمس الحدود بين الحياة المهنية والشخصية.
هنا تصبح كلمات الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، المكتوبة قبل نحو قرن ونصف، مخيفة في راهنيتها. كتب في كتابه إنساني، مفرط في إنسانيته، في الشذرة رقم 283، أن من لا يملك ثلثي يومه لنفسه هو عبد، مهما كان موقعه، رجل دولة أو رجل أعمال أو موظفاً أو عالماً (كان نيتشه يتحدث قبل الهاتف الذكي، وقبل البريد الإلكتروني، وقبل الاجتماعات الافتراضية، وقبل أن تستطيع شركة أن تصل إلى موظفها وهو جالس مع أطفاله على مائدة العشاء. فماذا كان سيقول اليوم؟
ربما تكون «العبودية الحديثة» عبارة قوية أكثر مما ينبغي إذا أخذناها بمعناها الحرفي، لأن العامل في المجتمعات الحديثة يتمتع بحقوق وحريات لا يمكن مقارنتها تاريخياً بالعبودية. لكن العبارة تلتقط شيئاً حقيقياً إذا استُخدمت مجازاً: أن يفقد الإنسان السيادة على وقته وهو يظن أنه حر. يعمل ليشتري بيتاً لا يجلس فيه إلا قليلاً. يشتري سيارة أفضل لكي يصل بها إلى العمل. يشتري هاتفاً أسرع لكي ينجز عملاً أكثر. ينتظر عطلة قصيرة طوال العام لكي يستعيد خلالها قدرته على العودة إلى العمل من جديد. ثم يسمى كل ذلك «نجاحاً».
لكن من الإنصاف أيضاً ألا نجعل الغرب شماعة سهلة. فالاحتراق الوظيفي ليس مرضاً غربياً، وضغوط العمل وعدم الأمان الوظيفي والأجور غير الكافية موجودة في مجتمعات كثيرة، وأحياناً بصورة أقسى. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نتعلمها بدلاً من مجرد أن «نحسدهم» أو «لا نحسدهم». نحن بحاجة إلى التكنولوجيا، وإلى الصناعة، وإلى البحث العلمي، وإلى المؤسسات الفعالة، وإلى كل ما صنع ازدهار المجتمعات المتقدمة. لكننا لسنا مضطرين إلى استيراد أمراض نموذج الحياة نفسه معها. يمكن أن نبني اقتصاداً قوياً من دون أن يصبح الإنسان وقوداً له. يمكن أن نرفع الإنتاجية من دون تقديس الانشغال. يمكن أن نستخدم التكنولوجيا لكي توفر للإنسان وقتاً، لا لكي تستولي على ما تبقى منه. فالنجاح الحقيقي ليس أن يصبح الإنسان أكثر إنتاجاً فقط، بل أن يبقى بعد الإنتاج إنساناً: لديه وقت لأطفاله، ولزوجته، ولوالديه، ولأصدقائه، ولجسده، ولروحه، وللكتاب، وللمشي، وللسكون، ولأن يجلس أحياناً بلا هدف ولا شاشة ولا موعد.
ربما أخطأنا حين جعلنا السؤال: كم تنتج في الساعة؟ السؤال الأكثر إنسانية هو: كم بقي من حياتك بعد أن تنتهي من الإنتاج؟ لأن الحضارة التي تصنع آلات أسرع، ومبانٍ أعلى، وشركات أغنى، لكنها تجعل الإنسان أكثر إنهاكاً وأقل امتلاكاً لوقته، تحتاج إلى مراجعة تعريفها للتقدم. فليس كل من يعيش في مجتمع أكثر تقدماً يعيش حياة أكثر غنى. وليس الفقير دائماً من يملك مالاً أقل.
قد يكون أفقر الناس هو ذلك الذي يملك كل شيء، إلا وقته. قد يبدو مترفاً، لكنه محترق من الداخل، مستنزف تماماً. صحيح أن كل شيء يتقدم في العالم المتقدم، لكن الإنسان يحترق.

٭ كاتب واعلامي سوري

المركز اللبناني للإعلام

المركز اللبناني للإعلام هو موقع إخباري متميز يقدم تغطية شاملة للأخبار العربية والدولية، إلى جانب مقالات تحليلية لكتّاب رأي من العالم العربي . يلتزم المركز بتقديم معلومات شفافة وأخبار دقيقة، مع التركيز على المصداقية في نقل الأحداث. يمثل المركز منصة حرة وجريئة تسعى لإيصال صوت الحقيقة وتحليل أبعاد القضايا الراهنة . المركز اللبناني للإعلام هو شريك إعلامي مستقل لـ مرصد الشرق الأوسط ، ويتبنّى معاييره التحريرية .

Related Posts

إسرائيل: نزع سلاح «حماس» خلال شهرين… وإلا فالحرب

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية – رويترز)ستتعاون بشكل محدود مع «لجنة التكنوقراط» وتتمسك بالخط الأصفر حتى إنجاز المهمة أعطت إسرائيل الفصائل الفلسطينية في…

ناشونال إنترست: وساطة عُمان بين إيران وأمريكا مهمة ويجب ألا تقتصر على نقل الرسائل بل لتجنيب المنطقة حربا كارثية

نشر موقع مجلة “ناشونال إنترست” مقالا لمدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط، أليكس فاتانكا، قال فيه إن جهود مسقط ساهمت في تيسير المحادثات بين إيران وأمريكا، ومساعدة المنطقة أكثر من مرة،…

لوفيغارو: بفضل ترامب.. بوتين ينهي عام 2025 في موقع قوة

بفضل ترامب.. سيّد الكرملين يختتم عام 2025 في موقع قوة، قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية في تقرير لها إنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يختتم عام 2025 وهو في موقع قوة، من وجهة نظره…

تقوم حركة حماس بتغيير تسجيلها إلى تركيا.

صورة: رويترز/محمد سالم/صورة أرشيفية كسينيا لوجينوفا أجبرت قطر المجموعة على البحث عن موطن جديد بالقرب من أنقرة. تلوح في الأفق تغييرات جديدة في الشرق الأوسط: فحماس، بعد خلافها مع راعيها…

بارزاني في أبوظبي :

تقارب استراتيجي في وقت حساس النُخب في إقليم كردستان ترى أنّ الزيارة لم تكن مجرد “محطة بروتوكولية”، وإنّما “نقطة ارتكاز” في مسار ديبلوماسي تصاعدي، يعتمد مقاربة “الواقعية” في بناء تحالفات…

في اليمن تعليم تحت الخيم من دون كتب أو أدوات مدرسية

في خيمة تغطيها أقمشة مهترئة في فناء مدرسة حكومية في لحج قرب عدن، تشرح المدرّسة اليمنية سعاد صالح قواعد اللغة العربية لأكثر من 100 تلميذ اكتظ بهم المكان الضيق الخانق،…

بارزاني من الجامعة الكاثوليكية بأربيل: الأقلية ليست عبئاً… وإنما فرصة

في بلدٍ تمزقه ذاكرة الطرد وتطوقه ظلال الإلغاء، يتقدم نيجيرفان بارزاني إلى المنصة… لا ليلقي خطبة سياسية أخرى تُلقى للنسيان، بل ليقول جملة بسيطة: “كردستان وطن للجميع”. لا شيء أكثر…

بوتين يدير المعركة: هل تصبح كورسك مقبرة للأوكران؟

عبد الحليم قنديل على عكس توقعات كثيرة، لم يبادر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حملة فورية كاسحة لطرد القوات الأوكرانية الغازية من مقاطعة كورسك الروسية الحدودية، وكان الهجوم الأوكراني عليها…

الروبل يتمادى: عملة رقميّة.. ضدّ العقوبات

نتيجة الحرب الروسية – الأوكرانية، جمّد الغرب الأصول الروسية (640 مليار دولار من الاحتياطيات)، ومُنعت شركات روسيا من التعامل مع مصارفه المركزية، وفُصلت عن نظام “سويفت” لتحويل الأموال، وأعلنت شركات…

تركيا في تحالف أوكرانيا “المسيّر”: دعم صامت يُفجّر وساطتها

لا تزال تركيا تمارس لعبتها المزدوجة بين روسيا والغرب، وتستثمر بدهاء في “المنطقة الرمادية” الممتدة بين الحرب والسلام، بين الحياد والانحياز، وبين اللغة الدبلوماسية والأفعال العسكرية. هذا ما يتجلى بوضوح…

مستقبل “حزب الله”

عبد الحليم قنديل “بيننا وبينكم الجنازات”؛ عبارة منسوبة تاريخيا للإمام أحمد بن حنبل، كان الفقيه المرموق إمام أهل السنة في زمانه، ويروى أنه ذكر العبارة المعنية في ذروة تحديه لأهل…

الوقت ينفد: روسيا ستنشئ جيشًا جديدًا بملايين الدولارات من الصفر

كيريل سترينيكوف رغم “السلام الأبدي” الذي وعد به ترامب، فإن إيران يجب أن تتعلم ثلاثة دروس رئيسية من صدامها مع إسرائيل، أو تواجه تكرارا وحشيا في المستقبل المنظور. رغم أن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *