
دكتور أحمد فاتح محمد
استباحة المخزون الجيني
لم يعد الصراع الدولي محكوماً بجغرافيا الأرض أو خطوط التماس العسكرية، بل انحدر نحو مستويات بالغة الدقة بلغت الشيفرة الوراثية للشعوب ذاتها. يشهد النظام الدولي اليوم نمطاً مستحدثاً من التجريد السيادي، قوامه الاستيلاء المنهجي على البيانات الجينومية للمجموعات العرقية والمجتمعات الوطنية، إما عبر واجهات تجارية لفحوص الأنساب أو تحت ستار برامج البحث الطبي الممولة عابراً للحدود، أو من خلال عمليات قرصنة استخباراتية تستهدف بنوك الدم والمختبرات الحيوية. هذا النزوح البيولوجي للبيانات يثير معضلة فقهية وقانونية غير مسبوقة: أين يقف القانون الدولي العام من استباحة المخزون الجيني للأمم؟ تكمن المفارقة الأولى في قصور المعاهدات المنظمة للأسلحة غير التقليدية، فاتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية لعام 1972 صيغت في عصر حصر التهديد في المسببات المرضية والسموم الجرثومية المادية.
التهديد الجيني
لم تتنبأ نصوص الاتفاقية بإمكانية تحويل التسلسل الوراثي الرقمي إلى سلاح استراتيجي. إذ تتيح تقنيات التعديل الجيني والهندسة الحيوية اليوم إمكانية تصميم مسببات تستهدف خصائص مناعية محددة لكتلة سكانية أو عرقية بعينها. القانون الدولي هنا يجرم تصنيع العامل البيولوجي القاتل، لكنه يقف صامتاً تماماً إزاء مرحلة جمع الخرائط التأسيسية اللازمة لبرمجته، ما يفتح ثغرة تشريعية هائلة تسمح للدول المتقدمة بتكديس بنوك معلومات جينية لخصومها دون أن تقع تحت طائلة المساءلة. يمتد هذا العجز إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي أثبتت مقاربته الفردية الكلاسيكية عجزها التام أمام خصوصية التهديد الجيني. ترتكز المواثيق الدولية وفي مقدمتها الإعلان العالمي بشأن المجين البشري وحقوق الإنسان الصادر عن اليونسكو 1977، على مبدأ الموافقة المستنيرة للفرد. وهذه المقاربة تسقط بنيوياً. لأن الحمض النووي للشخص ليس ملكية فردية منعزلة، بل هو وثيقة مشتركة تحوي الشيفرة البيولوجية لسلالته ومجتمعه وعرقه بأكمله. وعليه، فإن تنازل بضعة آلاف من الأفراد عن بياناتهم لشركات أبحاث أجنبية يعد تفريطاً غير مشروع بأمن بيولوجي قومي يطال ملايين آخرين لم يستشرهم أحد.
الحاجة الى مفهوم قانوني جديد
وعلى صعيد حماية الثروات، يسجل إخفاق هيكلي آخر، فبينما جاء بروتوكول ناغويا الملحق باتفاقية التنوع البيولوجي لينظم تقاسم المنافع ويمنع القرصنة الحيوية للموارد الطبيعية، إلا أنه استثنى صراحة المادة الجينية البشرية من نطاق تطبيقه، تاركاً إياها دون أي إطار دولي ملزم يحدد شروط تداولها أو يعاقب على تهريبها. إن مفهوم السيادة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة بات مهدداً في جوهره، فالسيادة الإقليمية تصبح بلا قيمة إذا ظلت الخاصرة البيولوجية للشعوب مكشوفة ومستباحة رقمياً. العالم يقف اليوم أمام فراغ قانوني مقصود تديره الدول المتفوقة بيوتكنولوجياً والمخرج الوحيد يفرض الشروع في صياغة مفهوم قانوني جديد يكرس السيادة الجينومية للدول، ويعتبر سحب وتحليل البصمات الوراثية للمجتمعات خارج أطر الرقابة الوطنية شكلاً من أشكال العدوان السيادي الذي يستوجب التجريم الجنائي الدولي.












